حيدر حب الله
138
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
فيها مأخوذا بها ومعمولا عليها ، وهذا معناه أن نصّ الكشي يراد منه إبراز أخذ الطائفة برواياتهم من حيث هم ، ومن غير البعيد أن يكون هذا العدد المحدود من أعاظم الرواة مما يفيد قولهم اليقين ولا يرقى الشك إلى منزلتهم عند أبناء الطائفة نظرا لجلالتهم وعلوّ قدرهم وضبطهم واهتمامهم بالحديث ، حتى لو جاءوا بمراسيل كابن أبي عمير وصفوان ومحمد بن أبي نصر البزنطي ، ومعه فلا يكون في النص دلالة قويّة على المراد ، وإن كانت الدلالة الضعيفة بدرجة من الدرجات ما تزال قائمة . وأمّا القول بأن الصحيح عند القدماء هو ما أفاد الوثوق وسكون النفس كما ذكره جماعة منهم البهائي ( 1030 ه ) في مشرق الشمسين « 1 » ، فهو ما لا يكفي فيه الاعتماد على كلمات المتأخرين من علماء الرجال والحديث ، ذلك أن جهودهم استنباطية ، ومن ثم فنحن مطالبون بتحليل هذا المصطلح في تلك الحقبة ، فهل كانت الاستخدامات متّحدة له بالنسبة للفئات المختلفة ؟ وهل كان مراد المرتضى وابن إدريس من مصطلح الصحيح نفس مراد الطوسي وأنصار مدرسته ؟ ! إنّ ما نبحث عنه هنا ، هو تحديد نظريتهم ، وما يأخذون من خبر وما يذرون ، فلا يكون نصّ العلماء المتأخرين الذين يفترض أنهم مارسوا اجتهادا في فهم الأمر كما مارسه الأنصاري ومن بعده ، نصّا حاسما قاطعا للخلاف ، فإذا ثبت هنا أن المرتضى قائل بحجية خصوص الخبر العلمي فكيف يقال : إن مصطلح الصحيح عنده هو الخبر غير العلمي الذي أفاد الوثوق فضلا عمّا لو لم يفده على طريقة التعبّد بالحجية ، فإنّ مورد حجيّة الخبر تعبّدا غير مدلول عليها في هذا المعزّز أبدا . والذي يشهد على اجتهادية تعريف مصطلح الصحيح هو أنّ بعض الأخباريين وتبعهم بعض المعاصرين ، عرّفه - عند القدماء - بما ثبت عن المعصوم عليه السّلام بالتواتر أو قرائن القطع ، كما فعله الحرّ العاملي ( 1104 ه ) في خاتمة الوسائل ، والمحدّث الأسترآبادي في « الفوائد المدنية » « 2 » ، فبعيدا عن معارضته لكلام البهائي يدل لا أقلّ على أن المصطلح خضعت معرفته للبحث الذي نحن فيه ، فهذا البحث أسبق ، فلا يكون تعريف الصحيح شاهدا عليه أو دليلا لطرف على آخر ؛ إلا إذا كان هناك نصّ صريح للقدماء في تعريف الصحيح ، ولا يبدو موجودا . ولا نريد هنا نفي مقولة الشيخ البهائي ، بل نراها صحيحة في الجملة ، وإنّما نريد نفي إطلاقها من جهة ، والأهم من ذلك نفي كون نصّ المتأخّرين عنصرا حاسما للنزاع
--> ( 1 ) - بهاء الدين العاملي ، مشرق الشمسين وإكسير السعادتين : 26 . ( 2 ) - الحرّ العاملي ، وسائل الشيعة 30 : 196 ؛ والأسترآبادي ، الفوائد المدنيّة : 49 ، 103 ؛ والغروي الأصفهاني ، پيرامون ظن فقيه : 361 .