حيدر حب الله

122

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بأن الطوسي كان قاطعا بذلك بطريق أولى « 1 » . ويعتذر الشيخ الأنصاري - عقب ذلك - لصاحب المعالم ، بأن كتاب العدّة لم يكن حاضرا عنده لدى كتابته هذا البحث ، وأما المحقّق الحلّي ، فلا يفهم الأنصاري من كلامه إلا أنه ينفي اعتقاد الشيخ العمل برواية أيّ إماميّ مطلقا ، وهذا غير المدّعى هنا « 2 » . والإنصاف أن هذا الجواب متين واضح لكل من طالع كتابي الذريعة والعدّة ، فوجد التصريح بأفكار متناقضة يصعب الجمع بينها ، الأمر الذي يدلّ على استحكام الاختلاف . ثانيا : إن اعتقاد المرتضى بانفتاح باب العلم في أكثر الأحكام - سيما ببركة الإجماع - أمر لا غبار عليه ، إلا أن هذا لا يعني أنه يقرّ بحجية الخبر في حال الانسداد ، فضلا عن القول بأنه لو كان موجودا اليوم لأعتقد بالانسداد ، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل ، ومجرّد اعتقادنا نحن بالانسداد اليوم إذا سقطت حجية الخبر لا يعني تحميل المرتضى ذلك ، سيما وأن الطوسي المعاصر له لا يرتاب في فقدان قرائن اليقين التي كان يراها المرتضى متكاثرة ، مما يدلّل على وجود منهج مختلف يمنع قياس غير المرتضى عليه ، وإلا أفهل انعدمت القرائن مع الطوسي ( 460 ه ) فجأة بعد وفاة المرتضى ( 436 ه ) في مدّة عقدين ونصف من الزمن ؟ ! ثالثا : على تقدير أن المرتضى يقرّ بالرجوع إلى التخيير عند فقدان الأدلة كما بيّنا من قبل ، فلا يعني قوله هذا حجية الخبر ، لا بعنوانه الخاص كما هو واضح ، ولا عن طريق حجية مطلق الظن ، لأن المرتضى قائل بالرجوع إلى العقل ، وقد فهم أن العقل يأمر بالتخيير حيث لا قاعدة أخرى ، ولو كان للظن مدخلية عنده لصرّح بالرجوع إلى ما هو الراجح احتمالا ، ونفس قوله بالتخيير معناه أنه لم يأخذ فكرة دليل الانسداد التي ظهرت بشكل قوي ومعمّق فيما بعد بعين الاعتبار ، وإلا لما صحّ منه إطلاق القول بالتخيير ، وهذا معناه أنه لا يمكن أن يفهم من المرتضى تبنّي حجية الخبر ، لا خصوصا ولا عموما ، لا في حال الانفتاح ولا في حال الانسداد . رابعا : إن تحليل إجماع المرتضى وابن إدريس على أساس تسريتهما نكتة العمل بالأخبار كما ذهب إليه بعض المعاصرين وإن كان في حدّ نفسه وجيها ومقبولا ، إلا أنه يناقض صراحة كلام المرتضى في تقريع الطائفة وذمّها من يعمل بأخبار الآحاد ، مما يدلّل على أن المرتضى فهم الإجماع من كلمات الطائفة لا فقط من جريها العملي بعملية

--> ( 1 ) - الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 151 - 154 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 154 ، وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ الأنصاري لا يمانع - على ما هو ظاهر تقريره الثاني للإجماع المستدلّ به على حجية خبر الواحد - من دعوى أن المرتضى إنما منع من حجية الخبر للانفتاح ، ويقول بحجيته في حال الانسداد ، انظر : المصدر نفسه : 162 .