حيدر حب الله

113

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

لم يكن على هذه الشاكلة ، بل وغيره أيضا ، بل كان الذريعة كتابا مرجعا يراد به تكوين أصول شيعي لا مجرّد كتاب مساجلات يهدف إفحام الخصم فقط ، كي يكتفي بتسجيل موقف لا البرهنة المطوّلة على موقف جاء في سياق تقيّة ، كما قد يحتمل - أي تسجيل موقف - في بعض كتب أو رسائل المرتضى الأخرى . ج - وأما أن يكون ادعاء الطوسي الإجماع بنفسه قرينة على مراد المرتضى ، فيبدو أنه احتمال لا ينسجم وملاحظة كتابي الذريعة والعدّة معا ، فإن أحد الكتابين - كما أشرنا سابقا - كان متنا للآخر ، ففي بعض المواضع - كمبحث القياس - هناك تقريبا تطابق حرفي بين الكتابين تماما ، مما يعني أن أحدهما ناظر للآخر ، فإذا كان الطوسي قد وضع العدة قبل المرتضى - كما هو الاحتمال الأضعف - فإن كلام المرتضى ناقض تماما لنظرية الخبر الطوسية ، إذ لم يبق أي مورد مقبول ، بل نسف كل تفريعات الحجية بلا فرق بينها ، فأيّ قرينية حينئذ ؟ ! وإذا كان الطوسي قد وضع عدّته بناء على ذريعة المرتضى - كما هو الأرجح - فإن مقارنة كلماتهما في مبحث الخبر لا تفيد القرينية أبدا ، لأن الطوسي أقدم على ذكر أدلة وإشكالات المرتضى ليردّها بأجمعها كما أسلفناه ، وحتى نفس إشكال الطوسي الذي يقول : كيف تقولون بحجية الخبر والطائفة أجمعت على ردّ العمل بخبر الواحد ، هو نفس الكلام الذي كان أثاره المرتضى في الذريعة . . . فيكون حصر الطوسي إجماع الطائفة بأخبار المخالفين ردّا - في واقعه - على كلام المرتضى بصيغة إن قلت قلت ، فكيف يكون قرينة مع ظهوره في الإشكال عليه ؟ ! د - إنّ المدخل الذي دخله المرتضى كان مسألة العلم وعدمه ، ومسألة استحالة التعبّد بخبر الواحد وعدمه ، ليقول بعد ذلك : إنه غير مستحيل لكن لم يرد التعبد به ، ثم ليحذف بعد ذلك كلّ أدلّته بما فيها أيّ إجماع من الطائفة ، إذ إنه - كما أسلفنا - ذكر تدوين الطائفة للروايات وردّه ، وهذا عين كلام الطوسي في وجه ما ، فكيف يمكن أن يكون كلّ هذا البحث الكبير في الذريعة وغيرها مخصوصا بما لا إشارة له أصلا ؟ ! بل ما الذي اضطرّ المرتضى لكل هذه الدراسة المبرهنة ، مع أنّه كان بإمكانه ادّعاء ذلك دون حاجة لإقامة براهين وممارسة مماحكات دقيقة ؟ ! ه - إنّ احتمال التقية أو المراعاة غير واضح في حدّ نفسه حتّى في الجوابات ، فمن يطالع رسائل الشريف المرتضى ( 4 أجزاء ) ويتتبع جواباته لا يجد أيّ تحفّظ عنده في كثير من جواباته إزاء موضوع المخالفين في المذهب ، بل في رسالته في مسألة حجية الخبر نفسها صرّح بأننا نكفّر مخالفينا في أمور قام الدليل على تكفيرهم فيها لا في مسألة فرعية كالعمل بالخبر ، وهذا يعني أنه ليس في أيّ وضع تقية أو مداراة ما دام يصرّح بموضوع التكفير وشبهه .