حيدر حب الله

279

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

على صعيد مجمل العلوم الإسلاميّة فقط ، بل قد أكثر من التصنيف في علوم الرجال والتراجم أيضاً . يُذكر أنّ للذهبي رحلات عديدة : شاميّة ومصريّة وحجازية ، وقد بلغ عدد شيوخه الذين أخذ عنهم ، ما يقارب الثلاثة آلاف شيخ ، وربما كان هذا الرقم مبالغاً به بعض الشيء ، لكنّه على أيّة حال كان كثير الشيوخ جداً ، وله أكثر من ألف شيخ بالتأكيد . أكثر المجالات التي اهتمّ بها الذهبي - تبعاً لعقيدته السلفيّة الحنبليّة - هو مجال العلوم النقليّة ، وكان له في العقائد كتب قليلة ، وإن قيل بأنّه درس الفلسفة ، لكنّه بالتأكيد لم يكن ليهتمّ بهذه العلوم المسمّاة بالعلوم الصرفة ، كالفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعيات ، بل كان اهتمامه الأوّل بعلم الحديث وتاريخ تراجم الرجال ، يليه علوم الفقه والعقائد . كانت مصنّفات الذهبي على نوعين : مؤلّفات أصليّة ، أسّس فيها الذهبي مشاريعه الفكريّة في حياته ، مثل كتاب تاريخ الإسلام ، ومؤلّفات تعدّ هي الأكثر فيما تركه لنا ، تتسم بالخلاصات والتعليقات والتهذيبات والشروح وغير ذلك ، وهذا النوع من المصنّفات كان له حضور في عصور الانحطاط الإسلامي ، وإن كان جيّداً ومفيداً في نفسه في كثير من الأحيان ، فتجد أنّه يأتيك بكتابه : تاريخ الإسلام ، فيختصره في أربعة أو خمسة أو ستّة أو سبعة كتب مثلًا ، فيأخذ قسم التراجم فيجعله كتاباً ، ويأخذ قسماً آخر فيجعله كتاباً آخر وهكذا . بل قد حصل أن ألّف الذهبي الكثير من المختصرات لكتب الآخرين ، كمختصرات تاريخ بغداد ، وتاريخ دمشق وغير ذلك ، بحذف ما يعتقد هو أنّه زوائد . هذا بعينه نراه عنده في علم الرجال ، فكثيرٌ من الكتب اختصارات وتعليقات وحواشٍ على مصنّفات الآخرين ، خصوصاً مثل كتاب تهذيب الكمال للمزّي ، وبكلمة مختصرة يمكن القول بأنّ هذه الظاهرة تمثل حالة واسعة في تصنيفات الذهبي . لكنّ القوّة في مصنّفات الذهبي تكمن في البُعد الموسوعي ، وكثرة المصنّفات ، والاستيعاب الهائل للموروث ، فيما نقطة الضعف الأساسيّة تكمن في التكراريّة التي عانت منها العديد من مؤلّفاته .