حيدر حب الله
27
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
إلا أنّ النجاشي قال في ترجمة أحمد بن هلال العبرتائي : « صالح الرواية ، يعرف منها وينكر » « 1 » . حيث قد يقال بأنّ الجمع بين هذين الوصفين غريب ، بناء على قراءة يُعرف ويُنكر بصيغة المبنيّ للمجهول ! وقد حاول السيّد الخوئي تلافي هذه المشكلة فقال في ترجمة العبرتائي : « الذي يظهر من كلام النجاشي : ( صالح الرواية ) أنّه في نفسه ثقة ، ولا ينافيه قوله : يعرف منها وينكر ؛ إذ لا تنافي بين وثاقة الراوي وروايته أموراً منكرة من جهة كذب من حدّثه بها » « 2 » . إلا أنّ كلام السيد الخوئي يحتاج لتشريح ؛ فإذا فسّرنا الرواية في قولنا : صالح الرواية - وكذا الحديث في قولنا : صالح الحديث أو صحيح الحديث - بمعنى اسم المصدر ، أي ما قاله من أحاديث ، فأحاديثه صحيحة ، دلّ ذلك على كون حديثه سليماً من العيوب ، فكيف يجتمع هذا مع التوصيف الطاعن في حديثه ( يعرف منه وينكر ) ، فإنّ الغرابة والشذوذ وضعف المتن لا تناسب صلاح الحديث أو صحّته ، إلا إذا قيل بأنّ النجاشي هنا يشهد بصحّة وصلاح حديثه حتى لو كان بعض الناس ينكرون بعض أحاديثه . وأمّا إذا فسّرنا الرواية والحديث بالمعنى المصدري ، أي إنّ نفس تحديثه ونقله وروايته لما نقله غيره هو صالحٌ ، فهذا توصيف مباشر لنقله وهو دالّ مباشر على التوثيق فيه ، فلا يضرّ أن بعض مرويّاته تعرف وتنكر . ومن هنا يأتي احتمال عام في تعبير صحيح الحديث وما ألحقناه به ، في أنّه يراد منه المعنى المصدري لا اسم المصدري ، بقرينة تعبير النجاشي ، ما لم نتراجع عنه برجوع ضمير ( منها ) في قوله : يعرف منها وينكر ، للرواية بمعنى المرويّ ، لا المعنى المصدري ، فتأمّل . يُشار إلى أنّ النجاشي قال في ترجمة محمد بن بحر الرهني : « قال بعض أصحابنا : إنّه كان في مذهبه ارتفاع ، وحديثه قريب من السلامة . ولا أدري من أين قيل ذلك » « 3 » .
--> ( 1 ) رجال النجاشي : 83 . ( 2 ) معجم رجال الحديث 3 : 152 . ( 3 ) رجال النجاشي : 384 .