حيدر حب الله
234
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
مثل خراسان والعراق والحجاز ومصر والشام ، والتقى فيها مئات الشيوخ الذين أخذ عليهم مختلف العلوم المعروفة في تلك الآونة . وقد انفرد البخاري بحفظٍ عجيب متميّز أهّله إلى بلوغ مراتب علميّة عالية ، بالإضافة إلى كثرة الشيوخ الذين بلغ عددهم في كتابه الصحيح 289 شيخاً ، وهو عدد لا يُستهان به في هذا المجال . ولا نُريد هنا أن نتحدّث عن البخاري من زاوية كونه محدّثاً أو فقيهاً ، فهذا غير داخل في نطاق حديثنا ، وشهرته في الحديث وتفوّقه فيه أمر معروف . ولعلّ خير شاهد على ذلك هو تلك القصص الكثيرة التي يتناقلها المحدّثون عن تقدّمه ورسوخه في فنّ الحديث والسند والرجال ، ومنها الواقعة المعروفة والمشهورة ، عن امتحانه في العراق ببعض الأحاديث المقلوبة الأسانيد ، حيث استطاع البخاري أن يجيب عن كافّة تلك الأسانيد وبكفاءة عالية . يقول ابن عدي : « سمعت عدّة مشايخ يحكون أنّ محمّد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كلّ رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يُلقوا ذلك على البخاري ، وأخذوا الموعد للمجلس ، فحضر جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها من البغداديين . فلما اطمأنّ المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن من تلك الأحاديث . فقال البخاري : لا أعرفه . فسأله عن أخر فقال : لا أعرفه . فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه . فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ، ويقولون : الرجل فهم ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلّة الفهم . ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخاري : لا أعرفه . فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه . فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فلم يزل يلقي