حيدر حب الله

558

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الظنّ أو حتى الاحتمال في خبر الجارح وبقائه في خبر المعدّل مثلًا ، فهنا تسقط حجيّة قول الجارح بملاحظة انعدام ملاك الحجيّة وهو الكشف ، كما حقّقناه في علم الأصول ، وتظلّ حجيّة القول الآخر بلا معارض . وهكذا لو بدا من كلام أحدهما اطّلاعه على ما خفي عن الآخر ، كما لو شهد أحدهما بقتل زيد لبكر في الساعة الثامنة صباحاً ، فيما شهد الآخر بعدم قتله له ، وأنّه رأى بكراً في المستشفى في الساعة الثانية عشرة من ظهر نفس ذلك اليوم . أو شهد بأنّه صادق ؛ لمعاشرته له مدّة وعدم رؤيته كذباً منه ، فيما أخبر الآخر بأنّه كذب في بعض القضايا التي من الممكن أن تخفى عن الموثّق والمعدّل . ففي كلّ مورد يمكن رغم التعارض تحصيل الوثوق بإحدى الإفادتين وانهيار الوثوق بالأخرى ، يمكن الأخذ بما فيه الوثوق أو الظنّ وترك الأخرى التي انهار وثوقها أو ظنّها ، وهذا لا يختصّ بتقديم الجرح كما تصوّروا ، حيث قالوا بأنّ الجارح مطّلع على ما لم يطّلع عليه المعدّل ؛ فهذه الفكرة ربما تنسجم مع كون العدالة هي عبارة عن حسن الظاهر ، لكن لو قلنا بأنّ العدالة هي عبارة عن ملكة راسخة وكان المعدّل قد عاشر المعدَّل لسنوات طويلة بخلاف الجارح فلم يرَه إلا قليلًا ، ففي مثل هذه الحال احتماليّة خطأ الجارح وعدم تفسيره لموقف المجروح تفسيراً صحيحاً هي احتماليّة عالية جداً ، فهذا مثل أن يخبرك شخص بأنّه عاشر شخصاً لثلاثين سنة ورآه في قمّة الإيمان والتقوى ، ثم يأتي آخر لم يرَه إلا قليلًا ويشهد عليه بأنّه صافح امرأةً أجنبيّة عليه مثلًا ، ففي هذه الحال يمكن أن يبقى الوثوق بقول المعدّل ؛ إذ احتماليّة تفسير موقف المجروح وتعذيره قد تكون عالية بما لا يوجب سقوط الوثوق أو الظنّ بالتعديل ، بل على أبعد تقدير قد يحصل لك علم بأنّ طبيعة هذا المعدّل تقضي أنّه وقع في هفوةٍ هنا لكنّه تاب واستمرّ على حاله بما لا يضرّ بمكانته ، فالقضيّة ليست مطّردة على وزان واحد ، وهذا شيء يلمسه الإنسان في التجربة الحياتيّة أيضاً .