حيدر حب الله

54

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

أسلم بعد فتح مكّة - لا سيما مع عدم الجهاد - أنّه مهاجر أو من الأنصار . وبهذا تكون هذه الآية قد قيّدت الرضا عن التابعين ( بالإحسان ) ، فربما تكون حينها أدلّ على عدم عدالة جميع الصحابة ، وفق التفسير الذي بيّناه للتابعين ، إلا إذا قيل بأنّ هذا التعبير توصيفيّ وليس تقييديّاً . 1 - 2 - 5 - الفخر الرازي وتوظيف الآيات في إثبات خلافة أبي بكر ذكر الفخر الرازي محاولةً مختلفة في دلالة الآيات ، ربما كان ينظر فيها إلى مثل إشكال السيّد المرتضى المتقدّم ، وخلاصتها أنّ الآية الكريمة أطلقت وصف السابقين الأوّلين دون أن تبيّن الوجه الذي كانوا به سابقين ، مما يستدعي بقاء اللفظ مجملًا ، إلا أنّ التأمّل في كلمات الآية يرشد إلى الحيثيّة التي بها كان السبق ، وهي قوله : ( مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) فإنّ إقحام هذا القيد - مع إمكان حذفه - يدلّ على أنّ السبق كان في الهجرة والنصرة ، فكلّ من سبق إلى الهجرة يكون هو المراد ، وكذلك كلّ من سبق إلى النصرة ، وبهذا يتعيّن المراد من السابقين ويرتفع الإجمال في الآية . ولكي يُعقلن الرازي معياريّة السبق إلى الهجرة والنصرة ، ذكر أنّ الذي يبادر ويسبق إلى الهجرة معناه استعداده للإقدام على طاعة عظيمة فيها المشاقّ ومخالفة الطبع والإقدام على ترك أمواله ودياره ، كما أنّ السبق إلى النصرة فوزٌ عظيم ؛ لأنّ فيه إقداماً على خدمة الرسالة في مراحل ضعفها . وقد وظّف الرازي هذا التفسير لإثبات خلافة أبي بكر ، حيث ذكر أنّ أبا بكر كان أوّل المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث كان معه كما تفيده قصّة الغار ، وكان ملازماً في الهجرة للرسول صلى الله عليه وآله يخدمه ويعينه ، وكان صاحباً له في هذه الهجرة كما دلّت الآية ، فيكون هو المصداق الأوّل والأبرز للآية التي نحن فيها ، ويقدّمُ على عليّ بن أبي طالب ، فإنّه وإن كان من السابقين ، إلا أنّه في السبق يأتي بعد أبي بكر ، وهذا ما يُثبت حقيّة إمامة أبي بكر ، إذ لو كانت إمامتُه باطلةً لاستحقّ اللعن والمقت ، دون هذا المدح الذي في الآية الكريمة .