حيدر حب الله

331

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وقد ناقش بعضهم في هذا الكلام بأنّ السيرة العقلائيّة المدّعاة نلمسها بالوجدان ، فإنّ الإنسان يرى من نفسه أنّه لا يوكّل شخصاً ولو في شراء منزلٍ له إلا إذا كان يثق به في أن لا يكذب عليه ، فكيف يُدّعى أنّ العقلاء لا يلازمون بين الوكالة والوثاقة ؟ ! « 1 » . وهذا الكلام صحيحٌ في الجملة ، بمعنى ضرورة أن يعتقد الموكّل بوثاقة الوكيل ، بحيث لا يكذب عليه مما يرجع إلى عنصر الأمانة أيضاً بشكل من الأشكال ، لكنّ هذا لا يعني مطلق الوثاقة بمعنى عدم الكذب مطلقاً ، وعدم الكذب بالنسبة إلى غير الوكيل ، وهذا أمرٌ واضح بالوجدان ، فإنّك إذا وكّلت شخصاً في شراء منزلٍ أو إدارة مالٍ أو وقفٍ من بستان أو عقار أو دار ، فإنك بالضرورة تعتقد بأمانته في عدم سرقة الأموال أو إهمالها أو التعدّي والتفريط فيها من جهة ، كما تثق بأنّه لن يكذب عليك في أمرها بصفتك الموكّل ، أما أنّه لا يكذب في سائر أمور حياته ومع الآخرين غيرك وفي غير ما وكّلته به ، فهذا مما لا يظهر بالوجدان العرفي ، ولا أقلّ من الشك فيُقتصر على القدر المتيقّن ؛ لأنّ المورد من الأدلّة اللبية لا اللفظيّة . وقد تقول - كما قيل فعلًا « 2 » - بأنّ التفكيك غير واضح ؛ فإذا كنت لا تُحرز أنّ وكيلك صادق في كلّ ما يقوله مطلقاً ، فهذا معناه أنّه يكذب أو يحتمل أن يكذب ولو في علاقته معك ، فكيف يقع التصديق في مثل هذه الحال ؟ ! وهذه الذهنيّة التي ينطلق منها هذا الدليل ، واستخدمها بعض المتكلّمين في بعض الأبحاث الكلاميّة كمسألة العصمة ، غير صائبة ؛ لأنّ التفكيك في أفعال الإنسان ظاهرةٌ عقلائية واضحة ، فمن المستحيل عادةً أن يكشف المتديّن العاقل عن عورته في الشارع ، لكن من الممكن جداً أن يغتاب شخصاً في مجلسٍ ما أو ينظر نظرة حرامٍ إلى امرأة ما ، كذلك فيما نحن فيه فقد يكون الوكيل بحكم ارتباطه المالي بالموكّل - كون الوكالة عملًا له

--> ( 1 ) دروس تمهيدية في القواعد الرجالية : 153 . ( 2 ) انظر : المصدر نفسه : 154 .