حيدر حب الله

320

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

تاريخياً - عمل المحدّثين القدامى إلى جانب منهجهم في تصحيح الأحاديث ، ويمكننا هنا صياغة رؤيتنا على الشكل الآتي : أ - لقد عرفنا أنّ أغراض المحدّث لا تساوق دائماً أغراض الفقيه أو المتكلّم ؛ لأنّ الأخيرين يريدان بالحديث ما يكون حجّةً فعلًا على موضوعٍ فقهي أو كلامي ، أما المحدّث فيريد مثل ذلك أحياناً كما في كتاب الفقيه للشيخ الصدوق ، ويريد مطلق جمع الحديث أحياناً أخَر ، كما تفيده بالصراحة عبارة الصدوق في مقدّمة الفقيه من أنّ دأب المصنّفين كان إيراد جميع ما رووه ، وليس خصوص ما اعتمدوا عليه واعتبروه حجّةً بينهم وبين ربّهم ، تماماً كالمؤرّخين ، حيث نجد بعضهم يريد أن ينقل خصوص الأخبار التاريخيّة المؤكّدة ، فيما يريد بعض آخر نقل تمام المرويّات التاريخيّة رغم عدم اعتقاده ببعضها أو اعتقاده ببطلان هذا البعض ، وبالتالي فتنوّع هذه الأغراض بهذا الشكل يفرض تقييداً في إطلاق التوثيق بملاك كثرة رواية الأجلاء ، للنظر في أنّ هذا الجليل لمّا أكثر هل كان من نوع المصنّفين الذين قصدوا إيراد جميع ما رووه لجمع التراث أو كان من نوع المصنّفين الذين لا يريدون أن يذكروا سوى ما يرونه حجّةً بينهم وبين ربّهم ؟ وكثيراً ما نجد اليوم الكثير من العلماء والمحدّثين والفقهاء يرفضون - عندما يريدون جمع الحديث - حذف الأحاديث الضعيفة ، محتملين أن تكون صحيحةً على مباني رجاليّة أخرى ، ومحتملين لتفسيرها مخارج ومحتملات ، فلعلّ بعض المتقدّمين كان يريد عمليّة الجمع هذه وفقاً لمثل هذه التبريرات ، كالشيخ الصدوق في كتب : التوحيد وكمال الدين والأمالي وثواب الأعمال وعقاب الأعمال وعلل الشرائع وفضائل الأشهر الثلاثة والخصال ومعاني الأخبار وعيونها وغير ذلك ، والشيخ الطوسي في الغيبة والأمالي ، فضلًا عن المحدّثين والرواة من غير المحمّدين الثلاثة كالصفّار ، وعلي بن إبراهيم ، وإبراهيم بن هاشم ، والحميري ، والعياشي ، والطبري ، وغيرهم . ب - إنّ منهج المتقدّمين في تصحيح الأحاديث ليس دائماً منهج الوثاقة في الراوي ، بحيث تكون هي المعيار الوحيد ، بل كانوا يعتمدون مناهج متعدّدة كحشد الروايات