حيدر حب الله
267
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
الأمر الذي سمح بحركة دفاعيّة بدل الحركة النقديّة ، وهذا ما ولّد تدريجيّاً سياسة التساهل في نقد الأحاديث عند بعض الاتجاهات داخل التيارات والمذاهب . وحتى حركة النقد التي ظهرت بين الفينة والأخرى كانت تنطلق أحياناً من منطلق الدفاع عن الدين ، ففي عصرنا الحاضر يتمّ نقد بعض النصوص عند بعضهم رغبةً في إلغاء الصورة التي تشوّه الدين أمام العالم ، أو تشوّه هذا المذهب أو ذاك أمام غالبيّة المسلمين ، فالحسّ الدفاعي كان حاضراً في أكثر من موقع . النقطة الأخرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي أنّ الكتب والمصنّفات التي تعود إلى القرون الهجريّة الثلاثة الأولى قد فقدنا الكثير منها ، وعلى مستوى بعض المذاهب - مثل الشيعة الإماميّة - قد فقدنا أكثرها ، على خلاف الحال من الفترات المتأخّرة حيث كانت المعلومات المتوفّرة أكثر ، فإذا أردت التعرّف على كتاب أو شخصيّة متقدّمة كانت المواد الأولية التي بين يديك قليلة قياساً بتعرّفك على كتاب أو تيار فكري أو حركة في الفترات المتأخّرة ، من هنا يستعيض الباحث تلقائياً عن نقص المواد الأوّلية بعمليات التحليل والاستنتاج ، وهذا ما يعبّر عنه علماء الرجال بالاجتهاد والنظر والحدس . إنّ ندرة المعلومات من جهة فيما يخصّ القرون الثلاثة الأولى عند الشيعة ، والقرن الهجري الأوّل عند السنّة ، دفع من جهة إلى اعتماد سبيلين في اكتشاف حال الرواة : 1 - سبيل النظر والاجتهاد عبر تحليل روايات الراوي أو ما شابه ذلك . 2 - سبيل الشفويّة والتناقل الشفوي للمعلومات ، حيث ينقل عن فلان - مثل يحيى بن معين - أنه سئل عن فلان فقال فيه كذا ، أو ينقل عن فلان عن فلان عن الفضل بن شاذان أنه قال في فلان كذا وكذا . . ولما توقّف باب الرواية الشفويّ يوماً بعد يوم ، لم يعد هناك أمام أبناء القرون اللاحقة سوى مجموعة وثائق عليهم النظر فيها والاجتهاد ، كروايات الراوي أو نصوص العلماء فيه . النقطة الثالثة المهمّة هنا أيضاً ، هي أنّنا لو نظرنا على المستويين : الشيعي والسنّي معاً ،