حيدر حب الله
258
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
يصرّحون بذلك في مواضع ، بل بعض مقدّمات كتبهم واضحة في ذلك ، وفي غير ذلك تجد الاجتهاد واضحاً ، بل بعضهم بنيت كتبهم على مجرّد الجمع والتنظيم لمصنّفات المتأخّرين ، وهذه كتب المزي والذهبي وابن حجر تنقل متتالياً مواقف المتقدّمين وأقوالهم وكلماتهم ، وبعضهم لا يضيف شيئاً من عنده . إذاً ، فما هي قيمة هذه الكتب لو حذفنا اجتهاداتها ونقلها عمّن سبقها معاً ؟ ! وبإمكانك الرجوع إلى كتب ابن شهرآشوب لترى أنّ الذين وثقهم أو ضعّفهم من المتقدّمين والرواة قد أخذ ذلك من كلمات الطبقة المتقدّمة التي وصلتنا كتبها ، وعليك بإجراء مقارنات لتتأكّد من ذلك بنفسك . من هنا ، لا وجه للحديث عن حسيّة شهادة المتأخّرين ، حتى نأخذ بها من باب الشهادة أو خبر الثقة ، فاحتمال الحسيّة كالمعدوم . الاحتمال الثاني : وفي مقابل القول بعدم حجيّة شهادة المتأخّرين لإشكال الحدسيّة ، قد يقال بأنّه من المحتمل جداً أن يكون المتأخّرون أو بعضهم على الأقلّ ، قد وصلت إليه كتب ومصادر قديمة لم تكن وصلت إلى المصنّفين البارزين القدامى في علم الرجال مثل النجاشي والرازي وغيرهما ، فكم من كتب ومخطوطات عثر عليها المتأخّرون ولم تكن قد ظهرت للمتقدّمين ، وأمثلة ذلك كثيرة ، فقد عثر ابن إدريس الحلّي على بعض الأصول القديمة الحاوية للأحاديث ودوّنها في القسم الأخير من كتابه ( السرائر ) ، وسمّيت بمستطرفات السرائر . كما عثر ابن طاوس أيضاً على بعض الأصول ودوّن بعض أحاديثها في كتاب ( كشف المحجة لثمرة المهجة ) ، كما عثر في عصرنا الحاضر السيّد محمد الحجّة المعروف بالسيد الكوهكري على ستة عشر أصلًا ، وسماها بالأصول الستة عشر ، كما ينقل عن الميرزا النائيني في تقريراته أنه كان يقول بأنّ عند المحدّث النوري ما يقرب من خمسين أصلًا ، فإذا كان مثل هذا الأمر ممكناً ووارداً ، فلماذا استبعاده إذاً على مستوى علم الرجال ؟ ! « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : الإيرواني ، دروس تمهيدية في القواعد الرجالية : 117 - 118 .