حيدر حب الله
170
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
توصيفياً نهائياً ، فإذا واجهوا وضعاً تاريخيّاً ما سعوا لتأويله بطريقة أو بأخرى ، وأهم أعمدة التأويل فكرة الاجتهادات . هذا ما يضعنا أمام سؤال أساسيّ مفصلي : أيّ من هذين المنهجين هو الصحيح ؟ ربما يتم ترجيح جانب التاريخ ؛ لأنّ الآيات والروايات ظهورات ظنّية - كما قال علماء أصول الفقه - تخضع أمام الدلالات القطعيّة الآتية من العقل أو حقائق التاريخ ، والقرآن قد خُصّص مراراً أمام دليل العقل أو التاريخ أو جرى تأويله بطريقةٍ أو بأخرى . والوقائعُ التاريخيّة من الكثرة والوضوح بحيث لا تتحمّل تأويل ملابساتها ومضمونها ، وإلا لما أمكن إثبات عدالة أحد أو فسقه برؤية صدور المعاصي منه ؛ لاحتمال مبرّرات ما هنا وهناك له فيها ! وقد يتمّ ترجيح جانب النص ؛ لأنّ الله أعلم بما في القلوب والنفوس ، فنحن لم نعرف سوى ظواهر الأفعال التي صدرت من بعض الصحابة ، أمّا البواطن والنوايا والقصود والدوافع فهذه يعلمها الله تعالى ، فكيف ندّعي العلم بها فضلًا عن أن نتأوّل بها أو نخصّص عمومات قرآنيّة وحديثيّة ؟ ! بل قد صرّح علماء أصول الفقه الإسلامي أنفسهم بأنّ الفعل دليلٌ صامت لا يحكي كثيراً عن نفسه ، ومن ثمّ فلا نستطيع من خلاله مقاومةَ النصّ اللفظي الحاكي والمعبّر عن مضمونه . يُضاف إلى ذلك أنّ القرآن قطعيّ السند أما أكثر هذه الشواهد التاريخيّة فهو ظنّي ، فكيف نقدّم شواهد ظنّية على دليل قطعي ونتأوّله لأجلها ؟ ! وحتى الأحداث القطعيّة تظل ملابسات حصولها أمراً غير واضح بعد مضي قرون على وقوعها ، فكيف يمكن البتّ فيها والحال هذه وجعلها مأوِّلةً للنصوص القرآنيّة القطعيّة ؟ ! النظريّة المختارة في عدالة الصحابة وصيغة الحلّ والتوفيق هذه الإشكاليّة المتقدّمة في موضوع المرجعيّة بين النصّ والتاريخ ، تبدو معطياتها متكافئة بعض الشيء ، ويبدو لي أنّ بالإمكان الجمع بين هذه المعطيات هنا ؛ وذلك :