حيدر حب الله

132

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

جسم المجتمع الإيمانيّ الصادق . بل ، وهناك آيات قرآنيّة أخرى لها دلالة هنا ، وهي قوله تعالى : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ( الأحزاب : 60 - 62 ) . فهذه الآيات ترشد - وهي في سورة الأحزاب - إلى تهديد بتحريض النبيّ على المنافقين والمرجفين ، وأنّ هؤلاء إذا لم ينتهوا عن أفعالهم وأذيّتهم المؤمنين وإشاعة الخوف في المجتمع الإسلاميّ ، فسوف تصدر الأوامر الإلهيّة بملاحقتهم وقتلهم ، بل تشير الآيات إلى أنّ هذا الأمر سنّةٌ إلهية لا تتبدّل ولا تتحوّل ، فإمّا أن تتوقّف حركة النفاق المؤذية والمضرّة هذه أو تصدر الأوامر بالمواجهة والطرد من المدينة ، وبالفعل فقد صدرت الأوامر بعد ذلك بجهاد المنافقين على حدّ جهاد الكفّار ، إلى حدّ أنّهم قد هدم مسجدهم ، فالمفترض منطقيّاً أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قام بمواجهة المنافقين ، لكن لم تصدر الأوامر بالقتل فيهم ، لهذا لم يظهر أنّ النبيّ أعدم المنافقين أو اعتقلهم وأنزل فيهم أحكاماً عقابيّة من هذا النوع . إذن ، فهناك تهديدٌ بإخراج المنافقين من المدينة ، وعقب ذلك صيرورتهم ملاحَقين كالكفّار ليُقتلوا ، ويبدو أنّ مسلسل الآيات والمواقف النبويّة قد حدّا بالفعل من حركة المنافقين ، فبعد نزول سورة التوبة تمّت مواجهتهم والقطيعة معهم ، وهذا ما أدّى إلى إضعاف حركتهم ، ولهذا لم نسمع بأنّ هناك حركة نفي جماعي للمنافقين من المدينة . وهذا ما يُرشد - وبضمّ كلّ هذه العناصر إلى قانون السنّة الإلهية الوارد في الآيات المتقدّمة - إلى تراجع حركة المنافقين حتى لم يعُد الموقف معهم بحاجة إلى قانون الطرد ، فلعلّ النبيَّ اكتفى بالقطيعة والفضح والنبذ لهم وهدم مسجدهم ، بحيث تهاوت قدرتهم وتعطّل نشاطهم ، وتوقف إرجافهم وتخويفهم ، دون أن يمنع بقاء بعض الأفراد منهم ، فليس صحيحاً ما يحاول بعضٌ أن يثيره من انتهاء ظاهرة النفاق أواخر العصر المدني ، فإنّ هذا الأمر لا دليل عليه ، بل الآيات المدنية المتأخّرة النزول تشهد بعكسه ، نعم يمكن أن