حيدر حب الله

129

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ج - قوله في الآية السادسة والأربعين : ( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ، فإنّ مجادلة أهل الكتاب واستثناء الظالمين منهم يتناسب مع السور المدنيّة التي خُصّت كثيراً بأهل الكتاب . بل إنّ نفس ذكر المنافقين بهذا العنوان في الآية الحادية عشرة ، هو بنفسه شاهدُ المدنيّة ؛ لكثرة الحديث عن المنافقين في السور المدنيّة ، بل من معالمها الحديث عن المنافقين وأهل الكتاب والجهاد والنصر . من هنا ، نحتمل أنّ السورة لم تنزل دفعةً واحدة ، وأنّ بعض آياتها مدنيٌّ وبعضها مكيّ ، فإثبات المكيّة في المقطع محلّ الشاهد يصبح صعباً ، وإن كان محتملًا ، ومعه لا يمكن بمثل هذه الآيات التي لا يتوفّر يقينٌ أو وثوق بمكيّتها استنتاجُ وجود ظاهرة النفاق في العصر المكّي . وأمّا ما ذهب إليه بعض العلماء من أنّ السورة القرآنيّة - أيّ سورة - إمّا كلّها مكيّة أو كلّها مدنيّة ، فهذا لم يثبت بدليل ، ولو ثبت فإثبات مكيّة سورة العنكبوت ، يظلّ صعباً . ج - بين ظاهرة الارتداد ومقولة النفاق في العصر المكّي الكلمة الثالثة : إنّ آيات سورة النحل لا تشكّل دليلًا على وجود ظاهرة النفاق - بالمعنى الخاصّ - في العصر المكّي ؛ لأنّه حتى لو سلّمنا بالتركيب اللغوي والإعرابي الذي ذكره المستدلّ هنا ، إلا أنّ غايته وجود ظاهرة ارتداد في مكّة قام بها بعضُ الأشخاص ، وأين هذا من ظاهرة النفاق ؟ ! لأنّه عندما يقال بأنّ جماعة كفروا بعد إسلامهم ، وبعضهم كفر لفظيّاً وظلّ مؤمناً ، فإنّ ظاهر ذلك أنّ الكفر حصل منهم علناً - بقرينة اطمئنان القلب - وهذا لا يساوق النفاق وبقاءهم داخل الدائرة الدينيّة ، وإذا كان التاريخ لم يذكر سوى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فلعلّه كان معه بضعة أشخاص آخرين كفروا وارتدّوا ، فما علاقة ظاهرة الارتداد بظاهرة النفاق ؟ ! فالدليل لا يتعيّن في إثبات المدّعى ، إلا إذا جزمنا بعدم