حيدر حب الله
116
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
لكن يُلاحظ على هذا الكلام ، بصرف النظر عن عدم جريانه وفق العقيدة الشيعيّة التي تأخذ السنّة النبويّة من طريق أهل البيت النبويّ : أوّلًا : إذا لم تكن هناك حجيّة للقرآن والسنّة إلا بعدالة الصحابة ، فكيف ثبتت عدالة الصحابة إذاً ؟ ! فإذا ثبتت من الكتاب والسنّة ، فالمفروض أنّه لا سبيل إليهما إلا بالصحابة الذين لم نحرز عدالتهم بعدُ حسب الفرض ، وإذا ثبتت بدليل آخر فليدلّنا عليه الرازي ، فكيف نثبت قيم الدين ومفاهيمه لنخرج عبرها بهذا الوجه الاعتباري ، والمفروض أنّه لا يوجد دليل على تلك القيم والمفاهيم قبل إثبات عدالة الصحابة حسب الادّعاء ؟ ! ما لم يقل بأنّها معلومة بنحو العلم الإجمالي الارتكازي . ثانياً : إنّ إثبات القرآن كان بالتواتر الحاصل بين المسلمين جيلًا بعد جيل ، والتواتر لا يشترط فيه عدالة الرواة ، بل حتى لو لم يثبت لنا تعديلهم يمكن بضمّهم إلى بعضهم إثبات صحّة الأمر ، بعد استبعاد تواطئهم جميعاً على الكذب ، فلسنا بحاجة قهريّة دائماً إلى نظريّة عدالة جميع الصحابة حتى نُثبت تواتر القرآن ، وكذا متواتر السنّة النبويّة . ثالثاً : كأنّ أبا زرعة يريد أن يُلزمنا بالموجبة الكلّية بحجّة أنّ بطلانها يساوي السالبة الكليّة ، مع أنّ هذا الكلام غير صحيح لا منطقياً ولا خارجيّاً ؛ فإنّ نفي نظريّة عدالة الصحابة لا يعني بالضرورة إثبات فسقهم جميعاً أو أغلبيّتهم الساحقة ، بل يعني أنّ حالهم حال سائر الرواة الذين لابدّ من البحث في عدالتهم ووثاقتهم ، ومن الممكن أن نحصل على شواهد كثيرة تعدّل عدداً وافراً منهم ، وبهذا يصحّ الأخذ بما ينقله لنا هؤلاء ، وهذا كافٍ . وهذا تماماً كإبطال نظريّة عدالة كلّ الرواة ، فإنّنا إذا لم نقل بهذه النظريّة ، فلا يعني ذلك إبطال طرقنا لإثبات الكتاب والسنّة ، وإنما تحديدها ، وأيّ ضيرٍ في ذلك ؟ فنفي ( عدالة الجميع ) شيء ، والقول بفسق الجميع أو الأغلب شيءٌ آخر . رابعاً : لو تتبّعنا مصادر الحديث عند السنّة والشيعة ، فلا نجد أنفسنا بحاجة - لإثبات الروايات عن النبيّ صلى الله عليه وآله - إلى تعديل جميع الصحابة ؛ إذ ليس الجميع قد شارك في عمليّة