حيدر حب الله
47
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
ويظلّ واحدٌ من هذه الأبحاث هو الأهمّ والأخطر والأكثر حساسية ، وهو البحث عن أصل اعتبار هذا العلم وأصل اعتبار توثيقات وتضعيفات وكلمات علماء الرجال ؛ لأنّ هذا البحث هو الذي يدفعنا للسير مع هذا العلم ومواصلة المسيرة معه أو تركه في أوّل الطريق والتخلّي - ولو النسبيّ - عنه في صورته القائمة . إذا استبعدنا كلمات مثل الحركة الإخبارية ذات النزعة الوثوقية ، ومثل الحركة النقديّة الاستشراقيّة ذات النزعة التشكيكيّة ، سنجد أنّ الأغلبية الساحقة من الذين ولجوا موضوع قيمة المعلومات الرجالية . . قد ولجوه بعقليّة الثبوت المسبق لهذه القيمة ، حيث كان هدفهم فقط إبداء تكييف أو تخريج علمي وفق القواعد العقلائية ومعايير الفقه الإسلامي وأصوله ، يضمنان بقاء حياة ووجود هذا العلم ؛ لهذا لا نكاد نعثر على عالم من أولئك الذين بحثوا هذا الموضوع قد شكّك في قيمة البحث الرجالي بهذا المعنى . بدورنا ، سوف نتناول - بعون الله تعالى - هذا الموضوع الذي نعتقد أنّه الأهم على الإطلاق في دراسة الأسانيد من زاوية الوثائق الرجاليّة ، بل ومنهج دراستها من الناحية العمليّة ، فهل - يا ترى - نجح العلماء المسلمون في شرعنة هذا العلم ؟ هل استطاعوا تقديم تبريرات معقولة للاعتماد على مصادره ؟ هل التراث الإسلامي نفسه في هذا المجال يسمح بهذه المبرّرات ويقدر على تحمّلها أو لا ؟ وهل هناك فرق بين التراث الشيعي والسنّي في هذا المجال ؟ وعلى طريقتنا ، سوف نستعرض - بحول الله تعالى - النظريّات التي طُرحت في مدرك ومستند حجية واعتبار قول الرجالي ، ونقوّم كلّ نظرية على حدة ، لنخرج بعد ذلك بنظريّتنا الخاصّة في هذا المضمار ، إن شاء الله تعالى . لكن الأهم من ذلك كلّه ، أننا عندما نلج هذا البحث المهمّ والحسّاس ، لا ينبغي أن نلجه ونحن نحمل عقليّتين : أ - عقليّة من يريد مسبقاً هدر النصوص وإتلافها . ب - عقليّة من يحكم مسبقاً بمبدأ الحفاظ على النصوص الحديثيّة .