حيدر حب الله

32

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

إليها لأخذ معطياتها تمهيداً لإصدار حكم نهائي على الحديث نفسه ، كما أنّنا لا نقصد من علم الرجال خصوص طريقة الرجوع لكتب الرجاليّين والتعبّد بقولها بل معنى أوسع من ذلك بكثير ، بحيث تكون هذه الكتب أحد الروافد المعرفيّة ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله ، في نهايات الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب عند الحديث عن المحور الثاني منه . 3 - علم الرجال والعلوم الأخرى ، العلاقة والارتباط من طبيعة العلوم أن تتداخل في بعض دوائرها وتتفرّق في أخرى ، ومن أسباب ذلك أنها كانت في بداياتها ذات منشأ واحدٍ تدور مسائلها حول مركز واحد ، وبعد ذلك تمايزت بعض المسائل عن الأخرى ، وصارت تصبّ في إطار غير الذي تكوّنت فيه ، فتطوّرت وتفرّعت عنها مسائل أخَر ، الأمر الذي صنع منها علماً مجاوراً للعلم الأول ، ومن الطبيعي أن تبقى بعض الأواصر بين هذين العلمين ، هي ما نُعبّر عنه بالدوائر المشترَكة . وعلم الرجال كبقيّة العلوم لا يشذّ عن هذه الرؤية ، فهو على تماس وبعضَ العلوم الأخرى ، التي لابد أن نستعرضها لنحدّد علاقتها به ، حمايةً من تداخل العلوم واختلاط الموضوعات ، وسعياً لتحديد مدى إمكانية خدمة هذه العلوم لبعضها . 3 - 1 - بين علم الرجال وعلوم الحديث والدراية أوّل هذه العلوم التي ينبغي تبيين العلاقة بينه وبين علم الرجال هو علم الحديث والدراية « 1 » ؛ نظراً للتداخل العميق بينهما ، وبغية الوقوف على هذه العلاقة لابدّ من التعرّف على علم الدراية أوّلًا ، فقد عرّفه علماء الحديث بأنه : « العلم الذي يبحث في سند الحديث ومتنه وكيفيّة تحمّله وآداب نقله » « 2 » .

--> ( 1 ) ذهب بعضهم - كالشيخ هادي آل راضي في دروسه الصوتية المسجّلة ( الدرس رقم 1 ) - إلى أنّ علم الحديث ليس علماً ، بل هو مجرّد اصطلاحات ، وهذا كلام فيه الكثير من المناقشة ليس محلّها هنا . ( 2 ) محمد بن الحسين بن عبد الصمد ، الوجيزة في علم الدراية : 534 .