حيدر حب الله
29
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
أو لأدلّة أخرى عندهم ، وكذلك لو أعرض هؤلاء الفقهاء عن خبرٍ صحيح السند ؛ فإنّ إعراضهم هذا موجبٌ لترك الخبر ، بل كما يعبِّر أصحاب هذا الاتجاه : كلّما قوي سند الخبر فأعرض عنه الأصحاب كان ذلك أكثر دلالةً على وهنه . وهذا الاعتماد أو هذا الإعراض ، لابدّ أن يكون من قدماء الفقهاء القريبين من عصر النصّ ، كالشيخ الصدوق ( 381 ه - ) ، والشيخ المفيد ( 413 ه - ) ، والسيد المرتضى ( 436 ه - ) وأمثالهم « 1 » . ووفقاً لهذا الاتجاه ، قد يبدو علم الرجال غير ذي بال ؛ لأنه ما دامت الأهميّة القصوى غالباً تُعطى لعمل المشهور ولإعراضه عن الخبر تصحيحاً وتضعيفاً ، فلا حاجة بعد ذلك للبحث في الرواة ، فسواء كانوا ثقاتاً أم غير ثقات فإنّ المهم هو تحديد موقف الشهرة العملية ، وبهذا يتراجع دور علم الرجال إلى مستويات دانية . لكن مع هذا ، توجد بعض الحالات نظلّ - حتى وفقاً لهذا الاتجاه - بحاجة فيها لعلم الرجال ، ومن هذه الحالات : أ - أن لا تصل إلينا فتاوى وآراء العلماء المتقدّمين ، أو حتى لو وصلت لا نعلم اعتمادهم على هذه الرواية بالخصوص حتى يكون عملهم بها جابراً لضعفها السندي . وهذه المشكلة ليست بسيطة خاصّة عند الإماميّة ؛ لأنّ أكثر كتب قدماء الإماميّة ليست استدلاليّةً ، فقد ظهر الفقه الاستدلاليّ بجدّيةٍ - بحسب ما وصلنا من تراثٍ فقهيّ إمامي - مع كتاب « المبسوط » للشيخ الطوسي ( 460 ه - ) ، وأمّا من سبقه فقد كانت الكثير من كتبهم إما متون روايات « 2 » أو أشبه برسائل عمليّة ؛ ومعه كيف نعرف هل اعتمدوا على هذه الرواية بعينها أو أعرضوا عن تلك الرواية بعينها ، فلعلّهم أخذوا بمجموع رواياتٍ ، فاختاروا للتعبير واحدةً منها ؟
--> ( 1 ) المظفّر ، أصول الفقه : 584 ؛ وصنقور ، المعجم الأصولي 1 : 308 ، 356 ، و 2 : 238 . ( 2 ) بعض كتب الروايات تعطي دلالات في الاستناد ، كما في كتاب الفقيه للصدوق ، فلاحظ وانتبه .