حيدر حب الله
27
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
الأصوليّة والحديثيّة ، وتحليل بُنية هذا العلم ومديات جدوائيّته ، والأصول التي يقوم عليها لكسب حجيّته وقيمته المعرفيّة ، الأمر الذي خصّصنا له فصلًا كاملًا ، وهو الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب ، ورصدناه بشكل موسّع . لكنّنا هنا نشير - للتوضيح التعريفي فقط - لهذه القضيّة ، فنقول بأنّ أبرز الاتجاهات الأصوليّة والحديثيّة في قبول الأخبار ، هي : الاتجاه الأوّل : حجيّة الأخبار المتواترة والمتيقّنة ، بما يشمل الاطمئنان الوثوقي ، فلا يقبل من الأخبار إلا ما كان متواتراً منها مقطوعاً بصدوره ، أو من أخبار الآحاد - وهي الأخبار التي لم تصل لحدّ التواتر - ما كان محاطاً بقرائن وشواهد تفيد اليقين بصدوره ، أما غير هذين النوعين فلا يُقبل ولا يُحتجّ به ، وممّن سلك هذا المسلك : السيد المرتضى ( 436 ه - ) ، وابن البراج ( 481 ه - ) ، وابن شهرآشوب ( 588 ه - ) ، وابن إدريس الحلي ( 598 ه - ) وغيرهم « 1 » . ولكن وفقاً لهذا الاتجاه - الذي يوحي للوهلة الأولى بأنّنا لم نعد بحاجة إلى علم الرجال - يظلّ لهذا العلم حضوره ؛ فهناك من اشترط في التواتر عدداً محدّداً متى ما وصل إليه المخبرون للخبر صار هذا الخبر متواتراً ، واختلفوا في هذا العدد بين الأربعة ، والاثني عشر ، والأربعين و . . وقسمٌ آخر - والحقّ معه - اشترط في التواتر الكثرةَ العددية من دون اشتراط عددٍ محدّد يحصل به التواتر ، إنما المعيار عنده هو أن توصل هذه الكثرة إلى اليقين بهذه القضية ، وحصول هذا اليقين تؤثّر فيه عوامل موضوعيّة من أهمّها : نوعية الشهود من حيث الوثاقة والنباهة ، وهذا ما تكفّل به علم الرجال ؛ فقد ينقل الخبرَ عشرون راوياً كلّهم ثقات ممدوحون ، فحصول اليقين بهذا النقل أسرع مما لو نقله عشرون راوياً فيهم كشكول من الثقات والمجاهيل والضعاف .
--> ( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي ، التكوّن والصيرورة : 97 ؛ وباقر الإيرواني ، دروس تمهيدية في القواعد الرجالية ، القسم الثاني : 100 .