حيدر حب الله
81
مسألة المنهج في الفكر الديني
الاطلاع على فقه المذاهب الأخرى سيطر في القرون الثلاثة الأخيرة ، ولربما بإمكاني القول دون تحيّز : إنّ ذلك في النطاق السنّي كان أكبر منه - تاريخياً - في النطاق الشيعي ، لأسباب لسنا في معرض الحديث عنها فعلًا . إنّ تحدّيات العصر التي تثقل كاهل الفقه الإسلامي صارت تتطلّب اجتهاداً إسلامياً ، لا مذهبياً فحسب ، ونعني بذلك أنّه لم يعد الاجتهاد في الحنفية أو الشافعية أو المالكية أو الحنبلية أو الجعفرية لوحده اجتهاداً صحيحاً بما للكلمة من معنى ، بل صارت الضرورات العلمية وغيرها تتطلّب من الفقيه أن يكون ملمّاً بجميع المدارس الفقهية الإسلامية ، ليتسنّى له تكوين صورة أوضح وأنضج في الوقت عينه . ينبغي ترويج الدعوة التي أطلقها العلامة المفغور له الشيخ محمد مهدي شمس الدين « 1 » لاجتهاد إسلامي يستوعب مدارس الفقه ومذاهبه ، دون أن تحجزه أو تحدّه الخلافات العقدية ، فهذه الخلافات لا تلغي تماماً قيمة النتاج الفقهي والقانوني عند الطوائف الأخرى . فكما يدرس الشيعي أدلّة الشيخ الطوسي ( 460 ه - ) والعلامة الحلّي ( 726 ه - ) والشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه - ) ، عليه أن يستعرض في سياق بحثه أدلّة الإمام الشافعي ( 204 ه - ) ، وأبي حامد الغزالي ( 505 ه - ) والشيخ ابن تيمية الحراني ( 827 ه - ) وغير ذلك من علماء الأطراف الأخرى ، ليخرج بنتيجة فقهية مستوعبة . إنّ هذا الدمج في البحث الفقهي يلغي - إلى حدّ ما - الفقه الطائفي المتحيّز ، ولا نريد به أن يتنازل الحنفي عن فقه أبي حنيفة ، أو يذر الشيعي فقه الإمامية . . بل أن يختار ما يشاء شريطة أن تكون عناصر بحثه مستوفية للمدارس الفقهيّة ، فيما نراه مقدّمة ضروية لفقه إسلامي يتخطّى المذهبية
--> ( 1 ) محمد مهدي شمس الدين ، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي : 156 .