حيدر حب الله

44

مسألة المنهج في الفكر الديني

ومن ثم إسكاته وصرعه ، ولا يتّجه الفن الجدلي هذا إلى أي اكتشاف للحقيقة أثناء الجدل ، وإنما يعتبر كل طرف أنه قد وصل إلى الحقيقة قبل وروده المحاورة ، وبالتالي فالحوار بهذا المفهوم وسيلة إبراز وكشف وإقناع وإسكات لا اكتشاف واتضاح واقتناع وتصحيح . هذه هي التركيبة الحاكمة على الهادفية التي يطلبها الجدل في واقعه ، وهي تركيبة معرفية بالدرجة الأولى ، أي ورود الحوار بعد حمل القناعات والهدف إيصال الفكرة للآخر ، وهذه واحدة من مشكلات عمليات التحاور الكثيرة بالرغم من الحسنات الكثيرة التي أمدّت بها الفكر الإسلامي تاريخياً ؛ لأن الحوار سيتحوّل بذلك عن أن يكون وسيلة تعاون بين الطرفين لتصحيح أخطائهما ، وسيفقد بشكل متواصل طابعه التواصلي ، ليتحول - تدريجياً - إلى طابع تصادمي فرضي ، يريد كل طرف فيه صرع الآخر ، كما يريد إلزامه بفكرته . ليس الحديث هنا عن إلغاء ذلك النمط من التحاور إلغاءً كاملًا ، فله مبرراته الموضوعية بحسب اختلاف الزمان والمكان والظرف ، إلا أن ما نريد التأكيد عليه هو ضرورة القيام بإعادة صياغة لظاهرة الحوار إجمالًا ، بحيث يتحوّل طابعها العام الغالبي من امتلاكٍ للحقيقة وإبطال للآخر إلى سعي حثيث لاكتشافها بالتعاون معه . إن العجز الذي يحصل كثيراً من قبل كلّ طرفٍ عن إقناع الآخر يتسبّب - إذا ما بُني الحوار على عقلية صرع الآخر وإسكاته كيفما كان ولو بالمغالطة أحياناً - في إحداث صدمة في العملية التحاورية ناتجة عن الإحساس بالفشل والعجز عن التغلّب ومشاهدة صمود الآخر ، مما يولّد - في كثير من الأحيان - نوعاً من التشنج وأحياناً التفجّر ، وفي نهاية المطاف إلى حَسم الحوار بنمط تصارعي وتحوّل المحاورة إلى مجموعة عناصر موتورة . أما لو اعتُمد منطق التعاون العلمي المنبعث من تعدّدية معرفية وقناعة علمية بقيمة الفكر الآخر ، فإن التحاور سوف يأخذ طابع التكامل بين جهود كل