حيدر حب الله

39

مسألة المنهج في الفكر الديني

1 - مبدأ اليقين الموضوعي الذي نظّر له الشهيد الصدر على الصعيد الإسلامي « 1 » ، وهو مبدأ يقوم على انسجام المعطيات مع اليقين لا اليقين مع الواقع ، فنحن يمكننا الاستعانة بهذا المقدار من المفهوم لاستبعاد الواقع في الإطار العلمي ، سيما حينما نتكلّم عن معارف نظرية بطبعها الأولي ، فبدل أن أنطلق من تطابق المعطى الذهني مع الخارج ، أنطلق من معطيات اليقين نفسه إلى نفس اليقين ، وأترك مطابقة الخارج في احتمال الخطأ ، بمعنى الاحتمال الضئيل كما شرحه الصدر نفسه ، وهذا معناه أنّ الحوار الديني والكلامي سوف يعزل عن الواقع بمعنى من المعاني ، وسيبقى في إطار النظم العلمي بهذا المعنى ، وهو ما يشكل عنصراً أساسياً لاستبعاد الدوغمة وأمثالها ، فاليقين الموضوعي يجعل المتحاورين يقفان أمام معطيات كل واحدٍ منهما ، مستبعدين الواقع الذي يحضر في ذهنهما عن طريق اليقين المسبق لهما به ، وهذا ما يجعل الحوار محتكماً إلى فنّ تنظيم الأفكار والمعطيات لا إلى مطابقة الواقع وعدمه ، لكن لا بمعنى أننا نتكلّم في الفراغ والهواء بل بمعنى أن المركز الأساسي الذي يجري صبّ النقاش فيه ومحاكمة الأفكار على أساسه إنما هو ما يتعلّق بنمط المعطيات وتنظيمها 2 - مبدأ العلم الاجمالي الفوقاني ، وهو مبدأ يتجاوز دائماً مفردات البحث العلمي ليقرأ المجموع قراءةً كلية ، وحينما أقرأ تجربتي العلمية على مرّ سنوات فسوف أتأكد - يقيناً - من أنني قد وقعت في عدد كبير من الأخطاء في حياتي ، وهذا العدد الكبير سوف أقدمه كمعطى رياضي لما هو ناجز عندي الآن مما لدي قناعة به ؛ ليتشكّل عندي علم إجمالي بالخطأ في بعض أفكاري بحساب الاحتمال ، فإذا كانت مجموع أفكاري الألف مثلًا ، وعلمت تفصيلًا بخطأ مائة منها على مدى تجربة خمس سنوات تقريباً ، فإن هذا سوف يشكل عندي علماً إجمالياً - ما دامت الظروف واحدة أو متشابهة - بوقوع أخطاء

--> ( 1 ) راجع فيما يخصّ مفهوم الصدر لليقين كتاب : الأسس المنطقية للاستقراء : 322 - 329 .