حيدر حب الله
36
مسألة المنهج في الفكر الديني
أصحاب المشروع أنفسهم ؛ لأنهم بالغموض والضبابية التي أثاروها قد حالوا دون وضوح الذات لدى الطرف الآخر ، وهو ما ترك ويترك آثاراً كبيرة على الوضع العام . وعلى خطٍّ موازٍ في إطار ثقافة التعبير واللفظ ، نجد مشكلةً أخرى في واقعنا الثقافي المعاصر وهي مشكلة الإعلاء - بحسب التعبير النفسي - الذي تعيشه بعض الأوساط الثقافية في إطار عرض آرائها ، وما نقصده بالإعلاء هنا هو محاولة إضفاء لباس جميل على بدن قد يكون أقلّ منه جمالًا ، وهو ما يتمثّل أحياناً بتجنب التصريح ببعض الأفكار نتيجة نوعٍ من الخجل منها في اللاوعي أمام الآخرين ، ولهذا يعمد إلى القيام بنوع من الإلباس لها حتى تبدو أقل قبحاً ، وهو ما يؤدي - كما نلاحظ - إلى إضفاء عناوين جديدة على مفهوم تحتاج صراحة التعبير عنه إلى عناوين أخرى ، وهذه المشكلة ناجمة أحياناً على الصعيد الثقافي عن نوع من العزلة أو العقدة أو ضعف الخطاب عامة ، وأمور أخرى أيضاً . وهذا الإعلاء نجده فيما يسمّيه بعضهم بثقافة الألفاظ « 1 » التي تجتاح الأوساط الثقافية والفكرية العربية المعاصرة ، فالنقد الذي كان يوجّه إلى الكتب الدينية الكلاسيكية تمثّل في التعقيد اللفظي الذي يلفّ تلك الكتب أحياناً ومن بينها كتبٌ دراسية يفترض فيها بالدرجة الأولى أن تتجنب هذا النوع من الصياغات ، لكن المشكلة هي أن بقية الاتجاهات بدأت تشعر بنوع من التفوّق المعرفي عندما تتفوّق لفظياً وصياغياً ، فتغرق القارئ بسيولٍ كلامية صياغية ثقيلة نوعاً ما قد يحتاج أحياناً إلى وقت لفهم المقصود الحقيقي منها ، وهو ما يسبّب مشكلةً حقيقية على صعيد فهم الأطراف لبعضها البعض ، الأمر الذي
--> ( 1 ) علي حبّ الله ، قراءات نقدية في الفكر العربي المعاصر : 27 - 29 ؛ وانظر للمؤلف نفسه أيضاً كتاب : المقدّمة في نقد النثر العربي ، سيّما المقدّمة والفصل الثالث من الكتاب .