حيدر حب الله
24
مسألة المنهج في الفكر الديني
الذين يدّعون وينظّرون لأخلاقيات الحوار ، فنحن نجد حضوراً كثيفاً - وطبعاً الكلام هنا ليس عاماً وشاملًا بالتأكيد - لمفردات يمكن أن تسمى هجوميّة ككلمات : المعاداة للدين ، المؤامرة ، العمالة ، الكفر ، الزندقة ، الليبرالية ، الارتماء في أحضان الغرب ، الانحلالية . . من جهة ، تقابلها مفرداتٌ من الطرف الآخر بالقسوة نفسها تقريباً كالظلامية ، الرجعية ، التخلّف ، السطحية ، العدوانية ، النرجسيّة ، الدوغمائية ، التحجّر ، التخشب ، الاستبداد و . . من جهةٍ أخرى ، وهي مفردات تكشف عن حالةٍ مأزومة وجوّ غير سليم ، كما ترشد إلى أن موضوعة الحوار وإن دخلت أو تولّدت في أدبياتنا اليومية سياسياً وثقافياً ودينياً و . . إلا أنها ما تزال تعاني من عقبات حسّاسة يبدو أنه ليس من السهولة تجاوزها ، وهكذا عندما نحاول الاطلال على مقدّمات الكتب والبحوث ، فإننا نجد حالةً واسعة الانتشار من تقزيم الآخر واتهامه ، بحيث يصعب أن تلاحظ مقدمة كتاب لا تشنّ حرباً عنيفةً على الآخر أو تحاول تمجيد الذات . ولا نقصد هنا رفض مداولة هذه المفردات الآنفة الذكر وأمثالها من المصطلحات بل والتراكيب والسياقات ، وإنما نقصد التحفّظ في استخدامها بلهجات إتهامية واضحة في أجواء مدافَعَة متشنّجة لا بطريق النظرية أو التعميم . وكما يطالب المتحاور بتمثّل عقلٍ بارد في نقده ، كذلك يطالب الآخر بإعادة موزانةٍ لمعيار أحاسيسه حتى لا يكون أي تعبير مثيراً للاحساس المتوتّر أحياناً ، فالذي يحصل كثيراً على هذا الصعيد هو أنّ بعض الأطراف المحافظة - بالمعنى العام للكلمة - على مستوى الساحة الدينية عموماً ، تعيش درجةً عالية من الحساسية بحيث تتفاعل بسرعةٍ كبيرة مع أبسط أنواع النقد أحياناً ، وتعجز أحياناً أخرى عن التمييز بين مفهومي النقد والمناهضة أو مفهومي الرفض والمناقشة . . وفي مثل هذه الحالات لا يتسنّى بناء حوارٍ سليم وهادئ مهما سعى الطرف الآخر لإعادة إنتاج أو صياغة متوازنة وهادئة لمفاهيمه .