حيدر حب الله

133

مسألة المنهج في الفكر الديني

هو الشهيد محمد باقر الصدر في منهجه الاستقرائي المعرفي الذي وظّفه في علم الأصول والفقه والكلام والرجال والحديث و . . فقد استخدم هذا المفكّر الدراسات الاستقرائية عموماً - ونعتمد هنا قدراً من التسامح في استخدام مصطلحي : الاستقراء والإحصاء - وبُناها الفلسفية والرياضية في تأسيس تصوّرات ومناهج على صعيد العلوم الدينية ، ونجح بالتالي في تقديم بنية معرفية جديدة ومتميزة في النطاق الديني . والمقام هنا ليس مقام الحديث عن فكر الشهيد الصدر إلا أنه يمكن تقديم موجزٍ سريع لبعض النماذج مما قدّمه الشهيد أو لم يقدّمه على هذا المستوى النظري أبرزها : الأنموذج الأوّل : ما قدّمه الشهيد الصدر في مجال الفلسفة والكلام فيما يتعلّق بمسألة إثبات الباري تعالى ، إذ استبدل القبليات العقلية التي جرى عليها الفلاسفة والمتكلّمون ، مستبعداً مقولات المحرّك الأوّل والإمكان والوجوب والحاجة والفقر والوجود والتواطؤ والتشكيك و . . استبدل ذلك بنهج استقرائي ، فقام بملاحقة ظواهر كونية عديدة لاحظ من خلال حجم الاحتمال الذي تتطلّبه كل جزيئة لتجتمع على هذا الشكل المنتظم جداً مع ملايين الجزيئات الأخرى ، لاحظ أن الفرضية الوحيدة التي يمكنها أن تفسّر هذا الاجتماع والانسجام هي فرضية وجود الخالق الحكيم تعالى ، وأن أي فرضية أخرى من قبيل الصدفة أو غيرها غير محتملة رياضياً ؛ لأن احتمال حصولها على هذا النحو يساوي الواحد من المليارات الكثيرة جداً ، وهو احتمالٌ منعدم ذهنياً وفق المنطق الذاتي للمعرفة ومنطق الاكتشاف العلمي « 1 » . وتتبعُ الشهد لمفردات الظواهر الكونية من معطيات العلوم الطبيعية ما هو إلا عملية إحصاء استقرائي توصيفي ، أعقبه الشهيد وفق بناه الفلسفية

--> ( 1 ) محمد باقر الصدر ، الأسس المنطقية للاستقراء : 403 - 413 ؛ وأوضحه مبسّطاً في « المرسل ، الرسول ، الرسالة » ، راجع : الفتاوى الواضحة : 26 - 30 .