حيدر حب الله

114

مسألة المنهج في الفكر الديني

يزالون - في طيّه ، ولم تكن القضية انبثاقاً من عماءٍ مطلق أو فراغ أزليّ . وهكذا الحال في الموقف السلبي من بعض الشخصيات أو من شخصيات بعض الاتجاهات ، فإن الحمولات المسبقة التي لا تدرس الشخصيات دراسةً مستوفية في تاريخها قد تؤدّي إلى تفويت فرصٍ على علوم بأكملها ، فالمذهبيّة التي تلفّ علم الكلام تفوّت عليه الكثير من التلاقحات الضرورية التي تثريه وتضاعف من إنتاجياته ، فعلى سبيل المثال ، الصراع الذي وقع في تاريخ علم الكلام الإسلامي حول قضية التحسين والتقبيح كان له تأثيرٌ بالغ في تطوير الدراسات العقلية وتحديد قيمة العقل في الفكر الديني عموماً ، لكن البقاء اليوم على هذه الثنائية أي ثنائية العدلي وغيره أو ثنائية المعتزلي والأشعري في هذه القضية سوف يرهق علم الكلام قبال النظريات الجديدة التي أغرقت العالم الغربي في هذا الموضوع منذ « كانط » ومن سبقه وحتى عصرنا الحاضر ، بمعنى أن الضرورة ( المعرفية ) صارت تفرض اليوم تشكيل جبهة موحّدة في التيار الديني إزاء هذه الموضوعات ، ولم يعد هناك معنى للتحفظ إزاء عمليات المزاوجة والانتقائية الإيجابية بين التيارات التقليدية القديمة ، وهذا معناه أن الشعور بالثنائية داخل الإطار الديني صارت له أضرار عديدة وفقاً للمستجدات ، والحال أن هذه القضية يجب أن تخرج عن دائرة التداول المذهبي ، وبالتالي يجب أن يزول التقسيم الذي يجعل قضية العقل العملي وأمثالها داخلةً في الأطر المذهبية ، بحيث يقال : إن هذه المقولة تابعة للمذهب الشيعي ، وتلك تابعة للمذهب السني والأشعري ؛ لأن هذه المذهبية - وهي نتاج تاريخي - سوف تربك طبيعة المستجدات وهي تتجاهل الواقع العالمي الفكري اليوم الذي يفرض إلغاء الطابع المذهبي الديني لقضيةٍ من هذا القبيل ، فالتحسين والتقبيح ليست مسألة الإمامة ، وإن اتصلت بها ، بيد أن إدخالها بوصفها ورقة صراع مذهبي يضرّ بحركة البحث وحيويته ضرراً بالغاً جداً ، وهكذا الحال في بعض القضايا الأخرى التي تعكس المذهبيةُ ضرراً كبيراً عليها من قبيل مسألة النظر والمعرفة في علم الكلام وغيرها .