حيدر حب الله

97

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الاجتماع والتاريخ . . وفي هذا السياق كلّه ، جاءت الآية التي نحن فيها ؛ لا لتسقط مبدأ الأمر والنهي ، بل لتؤسّس مبدأ الفردية المسؤولة عن ذاتها وفعلها لنفسها ولغيرها ، فتكون محكومةً لدليل الأمر والنهي ؛ ومن هنا تفهم أدلّة نفي الوكالة والسلطنة على الناس ، مثل قوله تعالى : ( فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) ( الغاشية : 21 - 22 ) ، وقوله تعالى : ( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) ( يونس : 108 ) ؛ فهي تريد - وسيأتي بحثه تفصيلًا - نفي أسلوب الجبر والقهر في الأمر والنهي ، لا إسقاط هذه الفريضة . وإذا أحسن الإنسان فهم هذا النهج القرآني ، علم أن كثيراً من أساليب الدعاة والمتديّنين في عصرنا والتي تتسم دوماً بطابع الغضب والانفعال والحسرة والأسى والألم والحزن من عدم هداية الناس وسلوكهم سبيل الحق . . ليست صائبة بحسب القاعدة والعنوان الأوّلي ، فالمطلوب نقد الناس في انحرافها ، والمطلوب هو الإصلاح والتغيير ، والمطلوب هو الترشيد والتجويد ؛ لكن ليس المطلوب عيش الحسرة والانفعال لأن الآخرين لا يهتدون ، بل نحن نمارس واجبنا تجاههم فإن اهتدوا فبها وإلا فعلينا أنفسنا . . ولو سلك المؤمنون اليوم هذا السبيل لكان خطابهم الديني الدعوى أكثر هدوءاً واطمئناناً وسلامةً ومنطقيةً ، دون أن يعني ذلك كلّه الرضا القلبي عن الباطل والمنكر ، ودون أن يعني ذلك تولّي الانحراف وعدم التبري منه ، فالجمع بين هذه المفاهيم ضرورة كبيرة . وعليه ، وعوداً على بدء ، فبضم الجواب الثالث هنا إلى ما قلناه ، وبضم الآيات إلى بعضها ، يتضح الجواب المختار ، والله العالم . ومن خلال مجموع ما تقدم ، يبرز جيداً معنى سائر الآيات التي توهّم هنا أيضاً