حيدر حب الله
95
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والمحرمات ، أما الآخرين فالإنسان غير مكلّف بهدايتهم ، بمعنى أن هدايتهم شأنٌ يرجع إليهم وإلى ربهم ، وإنما عليه أن يأمرهم وينهاهم ؛ فإذا اهتدوا فبها ونعمت ، وإلا فالمهم أن يحفظ نفسه ، فهو غير محاسب على أفعالهم ، وهذه الآية يوجد لها نظائر بهذا التفسير الذي ذكرناه في القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ( البقرة : 272 ) ، فالآية لا تريد أن تلغي في حقّ النبيّ مهمة الهداية التي من البديهيات أنها أساس إرساله ، ولكنها تريد أن تقول له : إنّ عليك نفسك فأنت محاسب يوم القيامة على أعمال نفسك ، ولا يلحقك ضررٌ بأعمال غيرك ، فلا تذهب بنفسك لأجل هدايتهم ، ولا تقتل نفسك لأجل أن يهتدوا ، إنما المطلوب أن تقوم بوظائفك الشرعية ، فإن اهتدى الآخرون فهذا من نفعهم ، وإلا ما ضرّوك شيئاً ، ومن هنا جاء في الآية الكريمة : ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ( الأنعام : 52 ) ، وقال تعالى : ( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ( الأنعام : 68 - 69 ) ، وقال سبحانه : ( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ) ( النساء : 84 ) . مبدأ الوسطية في حمل الهمّ الديني والدعوي وبهذا التفسير يتكشّف أمامنا أصل في غاية الأهمية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو مبدأ الوسطية في حمل الهمّ الديني والدعوي ؛ فالقرآن في الوقت الذي يطالب فيه بآيات كثيرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يبيّن في