حيدر حب الله
82
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحال في آيات وصية لقمان لابنه التي أسلفناها سابقاً ، فهي تدلّ على هذا المبدأ أيضاً قبل الإسلام ، بل قد أشير في بعض المصادر الإسلامية إلى أنّ بعض الديانات السابقة كانت تعتمد مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر « 1 » . يضاف إلى ذلك أنه لو كانت هذه الفريضة يقصد بها في هذه الآية مجرد التشريع لكان ينبغي أن يقصد ذلك أيضاً في الجملة التالية لها فوراً ، وهي : ( وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ، مع أن الإيمان بالله تعالى ليس امتيازاً تمتاز به الدعوة المحمدية ، كما هو واضح . هذا كلّه ، فضلًا عن أن هذا التخريج مخالف لظاهر الآيات المخبرة عن وصف المؤمنين مقابل صفة أهل الكتاب ، فتفسيرها بما ذكره المظفر غير واضح بعد ظهورها في الخبرية بالشكل المذكور . رابعاً : إن حمل الوصف على الكلّ لقيام البعض به ولو كان القائمون به بعضاً قليلًا ، كما قال العلامة المظفر . . . خلاف الظاهر من إطلاق الأوصاف على الجماعات ؛ فلا يقال : بنو فلان أتقياء ، لمجرّد وجود بعضٍ قليل منهم يتصف بهذه الصفة ، ولا يقال : المسلمون اليوم صالحون ، لمجرد وجود واحد في كل مائة منهم يتصف بالصلاح ، فهذا التوصيف مستهجن عرفاً ما لم يقم شاهد على قصده في دلالة الكلام . ونحن لا نجد شاهداً من هذا النوع ، فيكون هذا التفسير غير عرفي ، على خلاف تفسير الشريف الرضي الآتي الحديث عنه بإذن الله . أضف إلى ذلك ، أنه لو كان المدح بملاحظة وجود قلّة لما انسجم ذلك مع المقارنة مع أهل الكتاب الذين وصفتهم الآية نفسها بأنّ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ، فلو كانت الحالة مع الأمة الإسلامية متطابقة لما كان معنى للتمييز ،
--> ( 1 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 283 ؛ وسيف الدين الآمدي ، أبكار الأفكار في أصول الدين 2 : 280 ؛ وأبو الحسن المسعودي ، إثبات الوصيّة : 30 ؛ وصدر الدين الشيرازي ، شرح أصول الكافي 4 : 52 .