حيدر حب الله

47

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

صحّ - ولو مجازاً - القول بأنّ المسلمين يأمرون وينهون ، تماماً كما نقول : الغربيون متقدّمون علينا تكنولوجياً ، أو يحترمون العلم . . . فهذا الكلام يصدق عندما يوجد بعض الغربيين يحترم العلم ويتقدّم علينا تكنولوجياً ، فنُسب الوصف للجماعة لقيام بعضهم بما يحقّق هذا الوصف . وهذا التخريج جيد في حدّ نفسه وعرفيّ ومقبول ، إلا إذا قيل بأن سائر الأوصاف التي ذكرتها الآية الثانية ، من نوع طاعة الله ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكذلك كون بعضهم أولياء بعض . . مما لا يتحمل هذا النوع من الافتراض ، بل هو ظاهر في الشمول لكلّ فرد من المسلمين ، ما لم نقل : إنه لا ضير في الاختلاف بهذا القدر بين الفرائض التي عدّدتها الآيات . يضاف إلى ذلك أنّه لو تمّ هذا التخريج لكان معناه سقوط التكليف عن المسلمين بعد تشكّل المجموعة الآمرة الناهية وقيامها بوظائفها ؛ لصدق عنوان الأمّة الآمرة عليهم ، مع أنّ هذا لا ينسجم مع نظرية الوجوب الكفائي دائماً وهي النظرية الراجحة عند المتأخرين من العلماء . التخريج الثاني : أن نعتبر الآية الأولى بصدد بيان أنّ وجوب الأمر والنهي كفائي وليس عينياً ، وحيث إن الكفائية وإن اختصّت بالبعض الذي يشكل مقدار الكفاية ، إلا أنه حيث لا تعيّن لهذا البعض ، بل هو متحوّل سيال ينتقل من فردٍ إلى آخر تبعاً للظروف . . صحّ إطلاق الوصف على الجماعة كلّها . ولكنّ هذا التخريج غير واضح بهذا المقدار ؛ لأن كون الحكم كفائياً لا يعني افتراض تخصيص الخطاب بأمة من المسلمين ؛ فالجهاد واجب كفائي ، لكن مع ذلك لم نجد مثل هذه الخطابات فيه ، وإنما وجدنا خطاب القدرة والعجز والصحة والمرض وما شابه ذلك ؛ فظهور خطاب « البعضية » هنا - في الأمر والنهي - كأنه يختزن شيئاً إضافياً ، هذا مضافاً إلى أن ظاهر الآية أن هناك مجموعة بعينها ، فعندما