حيدر حب الله
43
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والحرج ونحو ذلك ، بل قال تعالى : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ) ( الأحزاب : 39 ) ، فهذه الآية تعطي درساً في أنّ الداعية إلى الله تعالى إذا واجه الخشية فلا يقف عندها إلا خشية الله ، فتدلّ على الإصرار ولو في حالات الخوف والخشية ، والتضحية العقلانية في سبيل نشر قيم الدين الرفيعة ، لا أن يتخلى مباشرةً عن الدين وقيمه ونشرها وتبليغها للناس بمجرد عروض أدنى مظاهر الضرر ولو المادي عليه ، فلا يبعد أنّ القرآن في قضايا الدعوة الكبرى في الأمّة - على الأقلّ - لا يأخذ بعين الاعتبار مفهوم الضرر ، لا سيما البسيط منه ، ولا تشمل قاعدة لا ضرر مثل هذا المورد حينئذٍ ، وتخريج ذلك ميسورٌ وفق تفسير القاعدة لا نخوض فيه هذه الساعة . من خلال هذا كلّه ، نلاحظ - أيضاً - أنه لا تمييز في القرآن الكريم بين مفهومي : إرشاد الجاهل ، وأمر العاصي ونهيه ، بل كلاهما مستبطن في الآيات عينها ، لا سيما الآية الأولى هنا ، بشرط صدق عنوان الخير والمعروف والمنكر في الحالة التي يراد الدعوة والأمر والنهي فيها ، فالتمييز الفقهي السائد بين عنواني : إرشاد الجاهل وتعليمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يوجد له أساس قرآني ، فيفترض الرجوع إلى نصّ السنّة الشريفة لالتماس أساسٍ مبرّرٍ له ، وإلا فالذي يبدو من القرآن الكريم أنّ هناك فريضة واحدة تستوعب الفريضتين معاً . ب - على صعيد المراتب الفقهية لهذه الفريضة ، لا يظهر من آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي إشارة للإنكار بالقلب ، بمعنى عدم الرضا أو الانزعاج القلبي وما شابه ذلك مما ذكره الفقهاء ، فهذا ما يستلّ من نصوص أخرى بصرف النظر عن افتراضه جزءاً من مراتب الأمر والنهي ، وذلك أنّ مرتبة القلب إذا أريد بها مجرّد عدم الرضا الباطني بالمعصية دون إبراز ذلك بأيّ مبرزٍ من المبرزات ، فهذا لا يصدق عليه - لا عرفاً ولا لغةً - أنّه أمرٌ للغير أو فعلٌ صادر تجاه الآخرين حتى