حيدر حب الله

99

شمول الشريعة

وما قلناه برمّته ، مبنيّ على غير النظريّة الصوفية العرفانيّة في فهم القرآن الكريم ونهج تأويله ، وأنّه تعبير آخر عن العلم الإلهي المتنزّل في النشآت ، فباطنه نشأة وجودية له ، وليس باطناً دلالياً ، وكذلك مبنيّ على غير الاعتماد على النصوص الروائيّة التي تحدّثت عن بطون القرآن وشموليّته بالمعنى العريض ، لكنّ إثبات ذلك كلّه بالدليل مشكلٌ من وجهة نظرنا ، وقد ناقشنا بعض أبعاده في موضع آخر « 1 » . 2 - 4 - نقد الفهم المنطقي لمفهوم ( الكليّة ) في اللغة العربيّة سلّمنا أنّ القرآن الكريم يتصدّى لبيان كلّ شأنٍ إنسانيّ يرتبط بالحياة الإنسانيّة وبنائها ونظامها ، لكن مع ذلك يمكن التوقّف عند إفادة « كلّ » وضعاً للكلّية المطلقة بحيث لا وجود لمساحة محدودة ترك القرآن فيها الحديث والتصدّي . والموجب لإثارة هذا التساؤل هو استخدامات كلمة « كل » في الأعمّ الأغلب أو في الكثرة الكاثرة عند العرب كثيراً ، بل وفي القرآن الكريم ، ولنتعرّض - أوّلًا - لبعض النصوص التي يمكنها أن تستفزّنا للتفكير في الموضوع ، مثل : 1 - قال تعالى : ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ) ( الأنعام : 44 ) . فهل حقّاً فتح عليهم أبواب كلّ شيء على الإطلاق ؟ ! 2 - قوله تعالى : ( ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) ( الأنعام : 154 ) . 3 - قوله تعالى : ( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) ( الأعراف : 145 ) . فهل حقّاً في توراة موسى كلّ شيء بحيث صارت مساوية تماماً للقرآن الكريم في مضمونها ؟ ! وهل في هذه الألواح المعدودة التي نزل بها تفصيل كلّ شيء ؟ ! 4 - قوله تعالى : ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ) ( الكهف : 84 ) .

--> ( 1 ) انظر : دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 3 : 365 - 429 .