حيدر حب الله
82
شمول الشريعة
من قبل الله سبحانه على البشريّة ، ولم تجر العادة أيضاً على حفظها بتدخّل مباشر من الله سبحانه بل أوكل ذلك إلى خبرة البشر وبصيرتهم المتنامية المتطوّرة من خلال التجارب والممارسات ، ولعلَّ الحكمة في ترك البشر وخبرته ليتكامل ويكدّ وتتفتّح قدراته وإمكاناته تدريجيّاً ، والحاصل قاعدة اللطف لا يمكن تطبيقه على مثل هذه الملاكات الأوليّة التكوينيّة ؛ إمَّا لعدم المقتضي لمثل هذا التطبيق أو للمزاحمة مع الملاك الذي ذكرناه ، ولهذا لم يلزم على الله سبحانه أَنْ يبعث أطبّاء كما بعث أنبياء . ولو أريد تطبيقها على المصالح والملاكات البعدية التي تحصل في طول التشريع الربانيّ ، وهي ملاكات الطاعة والعبودية لله والتكامل المعنوي ، وهي التي طريق حفظها منحصر بالله سبحانه بما هو مشرّع وواضع العقاب والثواب ، فكبرى تطبيق قاعدة اللطف على مثل هذه المصالح وإِنْ كان لا يخلو من وجه ولهذا طبقت القاعدة لإثبات أصل النبوّة العامّة ، إِلَّا أنَّ صغرى ذلك غير منطبق في المقام ؛ إذ لا فرق في حفظ هذه الملاكات الطولية بين الحكم الظاهري والواقعيّ ، فحتى إذا كان ما أجمع عليه الفقهاء خلاف الحكم الواقعي لا يكون ذلك خارجاً عن الشرع ، بل على طبقه وبقاعدة أو أصل من أصوله ووظائفه المقرّرة ظاهريّاً كما هو واضح « 1 » . إنّ هذه المقاربة يمكننا تطبيقها بروحها هنا ، فلا يجب على الله حفظ الملاكات الواقعيّة في بعض الموارد ، كما لم يجب عليه أن يُلهم البشر تشخيص صغريات موضوعات الأحكام والأمور الخارجيّة كنجاسة هذا الثوب أو غير ذلك ، وأمّا الملاكات التشريعيّة فيمكنه حفظها عبر إيكال الأمر إلى العقل فيها ، بوصفه نشاطاً بشريّاً تكمن خلفه مصلحة سعي الإنسان لتنظيم أموره ، فإذا أخطأ فيكون كالحكم الظاهري في أنّه كان على وفق إرادة الشارع . لابدّ من نفي تمام هذه الفرضيّات لكي يتمّ تقديم مقاربة عقليّة حاسمة هنا . ثالثاً : إنّ المؤمنين بقاعدة اللطف يحاولون دائماً تبرير غياب التدخّل الإلهي في مواضع عديدة ، مثل هذا الزمان ، فما هو الموجب اليوم لعدم حضور النبيّ أو الإمام أو لعدم بعث أنبياء جُدد ؟ ! وأين هو لطف الله ببيان العقائد والأحكام التي تاه العلماء وحاروا في الوصول إليها ووقعت بينهم خلافات عميقة فيها ؟ !
--> ( 1 ) بحوث في علم الأصول 4 : 306 ؛ وانظر له أيضاً : مباحث الأصول ق 2 ، ج 2 : 283 - 284 .