حيدر حب الله

79

شمول الشريعة

للإنسان ، فلابد - بمقتضى وحدانية التدبير - أن يكون الربّ التشريعي واحداً أيضاً ، وإلا لزم خرق وحدانيّة الربوبيّة التكوينيّة ، والمفروض أنّه مناقض للتوحيد ومثبت لنوعٍ من الشرك « 1 » . وبهذا تكون أدلّة توحيد الله على مختلف الصعد هي بعينها - عند السبحاني والقرني - أدلّة التوحيد التشريعي ونفي وجود مقنّن آخر غيره ، وهو يستدعي حصر القوانين بما صدر عن الله ، فلا مرجعيّة قانونيّة لغيره . ولكنّ هذا الاستدلال هنا غير منطقي في تقديري ، بل يعاني من مأزق بياني والتباس تعبيري ؛ لأنّ الربوبيّة الإلهيّة لا تتضمّن عقلًا حصريّة التقنين ، فإذا أعطينا حقّ التقنين للإنسان ولو مطلقاً ، فهذا لا يعني أنّ الإنسان صار خارجاً عن تدبير الله ؛ لأنّ حركته في التقنين هي ضمن التدبير الإلهي الواقعي ، وأدلّة وحدانية التدبير لا يوجد فيها ما يفيد وحدانيّة التشريع ، وإلا لزم عدم منح الحقّ للرجل في تدبير شؤون الأسرة ، وفي اتخاذ قرارات تنظيميّة ، وهكذا وصولًا إلى وليّ الأمر ، بل وصولًا إلى الولاية التشريعيّة للنبيّ ، فلماذا لا يُفرض هذا نوعاً من الخرق للتوحيد التدبيري الربوبي ؟ ! وإذا كان هذا نتيجة الإذن الإلهي فلا يمثل خرقاً للتوحيد - كما يقول الشيخ مصباح اليزدي « 2 » - فلماذا لا يكون تقنين العقل نوعاً من التفويض الإلهي له ؟ وأين تكمن هذه الاستحالة ؟ وكيف نعرف عقلًا أنّه يستحيل أن يكون الله فوّض بعض القوانين للعقل ؟ من الواضح أنّني هنا أناقش استدلال التوحيد الربوبي المنتِج لكون كلّ الأفعال قد أخذت موقفها من الله سبحانه وفقاً للفهم المدرسي للشموليّة ، أمّا لو قصد السبحاني أنّ مشروعيّة تقنين العقل تقنيناً بشريّاً لابدّ أن تنطلق من الإذن الإلهي لأصل هذا العمل التقنيني البشري ، فهذا لا نناقش فيه ، بل نقبله ، كما سيتضح من خلال الفصول القادمة إن شاء الله . 10 - قاعدة اللطف والشموليّة القانونيّة ، محاولة السيّد الصدر يستند بعض العلماء والباحثين هنا إلى قاعدة اللطف ، حيث يذكرون أنّ الله تعالى عالمٌ

--> ( 1 ) انظر : السبحاني ، محاضرات في الإلهيات : 65 ؛ ومحمّد بن حجر بن حسن القرني ، التشريع الوضعي في ضوء العقيدة الإسلاميّة : 80 - 132 . ( 2 ) انظر : مصباح اليزدي ، دروس في العقيدة الإسلاميّة : 135 .