حيدر حب الله

50

شمول الشريعة

التلمود ، وانتهى الأمر - ولأسباب سياسيّة وتاريخيّة أيضاً - لانتصار الفرّيسيين وانقراض الصدّوقيين من الحياة اليهوديّة في حدود القرن الثاني الميلادي . وفي المسيحيّة وبظهور الحركة البروتستانتيّة في القرن السادس عشر الميلادي ، تمّ التوجّه كثيراً من جانب العديد من التيارات البروتستانتيّة نحو حجيّة الكتاب المقدّس فقط ، دون غيره من السنن والسّيَر الأولى لآباء الكنيسة ، على خلاف ما هو السائد في الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة ، واعتبر الكتاب المقدّس لوحده جامعاً للديانة ، وبهذا ظهرت تيارات مؤمنة بعمق بهذا الأمر وما عرف بمثل الحركة الإنجيليّة . لقد كنّا بحثنا بالتفصيل - بحمد الله تعالى - هذا الموضوع في كتابنا « حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي » « 1 » ، وتوصّلنا هناك من خلال نصوص القرآن الكريم نفسه إلى أنّ القرآن يحتوي أغلب ما في الدين ، دون أن تسقط حجيّة السنّة ودورها في الاجتهاد الإسلامي ، وبيّنا هناك أنّ هذه النتيجة من شأنها أن تترك تأثيرات كبيرة على فهم الكتاب والسنّة وعلى الاجتهاد الإسلامي عموماً . وعليه ، فلن نعيد ذلك البحث ، لكنّنا سنعرف أن نتيجة ذلك البحث سوف تُلقي بظلالها على الموضوع الثاني ، فالقرآن احتوى عدداً محدّداً من النصوص التشريعيّة ، فإذا كانت فيه أغلب التشريعات الدينيّة إذاً فكيف يمكنه أن يستوعب تمام وقائع الحياة الإنسانية عبر الزمن إلى يوم القيامة ؟ ولو صحّ أن استوعبها فكيف تكون طبيعة هذا الاستيعاب ؟ وعليه ، فنتيجة البحث في الشمول الخاصّ تعقّد الوضع الميداني أمام القائل بالشمول العام ، كما سوف نرى لاحقاً . وأمّا المستوى العام ، فمنذ قديم الأيّام كان هناك سؤالٌ أقلق المجتهد المسلم ، وهو : كيف يمكن للنصوص المتناهية أن تحكم في الوقائع غير المتناهية ؟ « 2 » . وقد دفع ذلك - أحياناً - لتبنّي خيارات مكمّلة تسدّ النقص البادي بسبب هذا السؤال : فاختار بعض الفقهاء المسلمين القياس - مثلًا - لكي يردموا من خلاله ثغرة تناهي النصوص ، فيقومون باستنساخها في المتشابهات ، كي يستوعب الدينُ تمامَ الوقائع ، ولهذا قال

--> ( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي : 229 - 257 . ( 2 ) راجع : الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 199 ؛ وابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 5 .