حيدر حب الله

35

شمول الشريعة

وهذا الكلام - بصرف النظر عن أنّ الحكم هو الذي ينقسم إلى مولوي وإرشادي أو الأمر هو الذي ينقسم إلى هذين القسمين - ينبغي التفصيل فيه بهدف استيضاحه ، وذلك أنّ المشرّع سبحانه إذا لاحظ الأحكام العقلية القبليّة التي تكون مثل وجوب إطاعة الله سبحانه ، فإنّه يقوم بتكريسها والتأكيد عليها ، فإذا أصدر نصّاً قانونيّاً في ذلك بأن قال : أطيعوا الله ، فإنّ هذا يعني أنّه في هذه الواقعة - وهي طاعة الله - قد أصدر حكماً ، غاية الأمر أنّ حكمه هذا لم يكن بإنشاء إبداعي ، وانما كان نوعاً من التقرير والتكريس لحكم العقل المسبق والقائمِ - بنحو القضيّة المقدّرة - من قَبْل نزول الشريعة ، وهذا المقدار كافٍ في اعتبار المولى قد سدّ هذا النوع من الوقائع ما دام قد صرّح بمضمون الحكم العقلي هذا ، وفي تقديري فإنّ هذا الكلام صحيحٌ في نفسه ، وإن كان يتضمّن تصويباً لمرجعيّة قانونيّة أخرى في بعض قراراتها ، وهي العقل ، لكنّ هذا لا يضرّ بقضيّة شمول الشريعة . ومن هذا النوع الأحكام الإمضائيّة ، فإنّه حتى لو كان العقلاء يسيرون على توافقات عامّة بينهم من قَبْل نزول الشرع ، فإنّ إمضاء المشرّع لها - لو ثبت - كافٍ في اعتباره قد غطّى الوقائع التي تطالها هذه الأحكام الممضاة ، ولا يجب في القانون الذي يريد تغطية كلّ الوقائع أن يأتي فقط بأحكامٍ قانونية لم يسبق لأيّ مرجعية معرفيّة أخرى أن أتت بها . إلا أنّ الأمر المهم الذي ينبغي الانتباه له هنا هو أنّ المشرّع سبحانه إن صرّح بنصٍّ يوافق مقتضى الحكم العقلي أو العقلائي القانوني القائم ، فلا بأس ، أمّا إذا سكت عن قوانين قام العقل أو العقلاء بسنّها من قبل ، فإنّ هذا السكوت لا يمكن فهمه على أنّه كافٍ لاعتبار المشرّع قد غطّى وقائع الحياة التي غطّتها هذه القوانين من قبل ، والسبب في ذلك أنّ فكرة وجود أحكام إمضائيّة أو أوامر إرشاديّة هي في الأصل تقع تحت سلطة مفهوم الشمول وليس العكس ، كما سيأتي توضيحه ، بمعنى أنّه لو ثبت مسبقاً بدليلٍ قبلي أنّ الشريعة شاملة لكلّ مرافق الحياة ، فإنّ هذا الأمر هو الذي يمنح سكوت الشارع عن معطيات قانونية عقليّة أو عقلائيّة إمضاءً لها ، بحيث تلحق بعد الآن بشريعته ، بينما لو لم يثبت هذا الأمر من قبل ، فإنّ سكوته عن ذلك يحتمل الإمضاء من جهة ، ويحتمل أنّه لم يُرد التصدّي للمساحة التي تصدّت لها العقول والعقلاء ، وأنّه تركها لهم ، بصرف النظر عن كونه موافقاً - تماماً أو جزئيّاً - لما حكمت به عقولهم وعقلائيّتهم هنا وهناك أو لا ، ففكرة الإرشاد أو الإمضاء - بل حتى قانون الملازمة بين العقل والشرع -