حيدر حب الله
250
شمول الشريعة
السند ، وبعض هذه الروايات معارض بنصوص أخرى من نفس النوع ، فضلًا عن السياق العام لفضاء الصدور ، والذي قلنا بأنّه يتصل أكثر بشموليّة النصوص في تبيانها للشريعة ، لا شموليّة الشريعة في تبيانها للموقف من كلّ الوقائع . والسؤال الآن : هل يحصل من هذه الروايات يقينٌ عقلائيٌّ بالصدور بعد كلّ الملاحظات السابقة والمقاربات العقلانيّة المعارِضة أو لا ؟ خاصّة وأنّ ثلاثة من هذه الروايات تفرّد بنقلها الكليني ، وواحدة تفرّد بنقلها الصفار في بصائر الدرجات ، وواحدة تفردّ بها البرقي في المحاسن ، وواحدة وردت في البصائر والكافي ، وواحدة فقط رواها لنا الصدوق إلى جانب الكليني . بالنسبة لي لا أقتنع بكون هذا المقدار يمكنه - وسط كلّ ما تقدّم - أن يُثبت قضيّةً كبيرة جداً بهذا الحجم ، إثباتاً علميّاً ، لا سيما مع تفرّد مصادر حديث مذهب واحد - المذهب الإمامي - بها . ولا أدري مستند المحقّق النراقي هنا ، لكنّه في غاية الإثارة بالنسبة لي ، حيث يقول : فإن قيل : قد ورد في الأخبار الكثيرة أنّ لكلّ شيءٍ حكماً بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حتى أرش الخدش ، وأحكام الخلاء ، والجلدة ، ونصف الجلدة . قلنا : أوّلًا : إنّها أخبار آحاد لا تفيد شيئاً غير الظنّ . وثانياً : إنّه ليس مدلول تلك الأخبار إلا أنّ كلّما كان له حكمٌ ، فقد بيّنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لا أنّ لكلّ شيءٍ حكماً وبيّنه الرسول ، وشتان ما بينهما « 1 » . ولعلّ من هذه الحال ، ما ذكره العلامة الشعراني ، حيث علّق في سياق بحثه حول قضيّة التخطئة والتصويب ، بالقول : فإن قلت : ورد في الحديث أنّ الجاهل والعالم مشتركان في الحكم ، وأنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكماً يشترك فيه الجاهل والعالم . قلنا : . . وثانياً : لم يتبيّن لنا صحّة هذه الأحاديث . . « 2 » . مع أنّ كلًا من النراقي والشعراني من القائلين بنظريّة الشمول ! 2 - إنّ أغلب نصوص عدم الشموليّة لم يُثبت شيئاً ، فهي غير ناهضة في دلالاتها أو في أسانيدها ، وهي قليلة العدد قياساً بالنصوص المفترضة للشموليّة ، نعم ترجّح في نظرنا أنّ أخبار إلقاء الأصول والتفريع عليها يمكن أن يكون لها قدرٌ من الدلالة ، لكنّها غير ناهضة من حيث مصادرها وأسانيدها ، فلا تفيد وثوقاً ، بل لم تثبت حجيّتها حتى بناء على حجيّة الظنّ
--> ( 1 ) عوائد الأيّام : 361 . ( 2 ) المدخل إلى عذب المنهل : 224 - 225 .