حيدر حب الله
227
شمول الشريعة
وفي صيغة أخرى كذلك ، قال : « . . . إنّما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر » « 1 » . وقد جعل هذا الحديث مستنداً للقول بأنّ الشؤون البشرية في مجال الاقتصاد والمدنية والسياسة ، تعدّ شؤوناً دنيوية ، وبمقتضى حديث تأبير النخل ، فإننا أعلم بدنيانا وبها ، والنبي لم يطالب باتّباعه في مثل ذلك « 2 » . ولهذا حاول العديد من الإسلاميين المحدثين ردّ هذا الاستدلال بهذا الحديث ، وذلك مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي ذكر النصوص القرآنية التي تدلّ على مجيء الدين ومجئ أحكام كثيرة فيه تتعلّق بالسياسة والاقتصاد كآية الدَّين وغيرها « 3 » . وهذا ما ساهم فيه عبد الله القصيمي ؛ حين اعتبر أنّ من أمور الدنيا مختلف أبواب المعاملات والعقوبات والحروب والمواعظ والطبّ وأخبار الأمم الماضية والآتية ، فكيف يمكن القول بخطأ النبي في كلّ هذا ، وأنه لا يجب اتّباعه ولا تصديقه في ذلك ؟ ! « 4 » . إلا أنّ الاستناد إلى هذا الحديث غير صحيح هنا ؛ وذلك أنّ ملاحظة سياقات صدور هذا الحديث ومتابعة مصادره المختلفة لأخذ المفاد المتيقّن من مجموعها ، يؤكّد أنّ المنظور من الدنيا ليس توصيفات الأفعال من حيث حُسن السلوك أو قبحه ، وإنّما الجوانب الدنيويّة للأفعال والحياة ، بمعنى أنّكم أعلم منّي بقضايا الزراعة والصناعة والتجارة وغير ذلك ، لكنّ المواقف الأخلاقيّة من السلوكيات التي فعلها الإنسان أثناء هذه الأفعال هو الذي يعنيني ، فأنا يمكنني أن أقول لكم : إنّ الربا حرام ؛ لأنّه سلوك غير أخلاقي ، بل هو ظالم ، لكنّني لا أستطيع أن أقول لكم كيف يمكن أن تربحوا في تجارتكم لو قمتم بها بين الشام ومكّة ، وأيّ من البضائع هو الأفضل لتجارتكم هذه حتى تحقّقوا الربح ، ولهذا نجد الحديث في إحدى صيغه المتقدّمة يبرّر فيه النبيّ الأمر بأنّه ليس بزارع ولا صاحب نخل .
--> والشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 : 184 ؛ وسبل الهدى والرشاد 12 : 7 . ( 1 ) صحيح مسلم 7 : 95 ؛ ومسند ابن حنبل 1 : 162 - 163 و . . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : أحمد البغدادي ، أحاديث الدين والدنيا : 157 - 160 . ( 3 ) يوسف القرضاوي ، المدخل لدراسة السنّة النبوية : 151 - 152 ؛ وكيف نتعامل مع السنّة النبوية : 146 - 147 . ( 4 ) القصيمي ، مشكلات الأحاديث النبوية : 59 - 60 .