حيدر حب الله

222

شمول الشريعة

فهم قضيّة دينيّة مهمّة كهذه ؟ والغريب أنّنا رأينا روايات عكسيّة تفيد الشموليّة أو توحي بها على الأقلّ ! والجواب عن هذا السؤال الذي أعتبره مركزيّاً هنا ، هو أنّه يصلح لإثبات شموليّة مرجعيّة الكتاب والسنّة ، في قولهما وفعلهما وتقريرهما ، لكنّه لا يصلح لإثبات وجود أحكام تفصيليّة شاملة فيهما ، بمعنى أنّه لو قال قائل بأنّ الله أتى بشريعة تغطّي خمسين في المائة من حياة الإنسان ، ثم ترك البقيّة ولم يتدخّل بها أصلًا ، لكان هذا الإشكال قويّاً في حقّه هنا ، بينما لو قال بأنّ الشريعة هي التي طلبت من العقل الإنساني أو سكتت عن سلوك العقل الإنساني في سنّ القوانين وفقاً لها في مساحة معيّنة ، فإنّ هذا الفهم للقضيّة لن ينافي شموليّة الشريعة ، بل سوف يُنتج تفسيراً جديداً له ، فمرجعيّة الله الحصريّة في سلوك البشر ما تزال قائمةً ، والبشر مضطرّون في أيّ فعلٍ من الأفعال للذهاب خلف الشريعة ، كلّ ما في الأمر أنّ الشريعة تارةً أعطت حكم الفعل مباشرةً ، وأخرى أعطت حكماً للإنسان بضرورة سنّ القانون في هذا الفعل وفق قواعد وأصول معيّنة ، وإلا لزم من عدم تدخّله في سنّ القوانين الضررُ والمفسدةُ المنهيّ عنهما شرعاً ، ومن ثم فلم يخل حكم من المرجعيّة الحصرية للشريعة ، وهذا يكفي في تبرير الارتكاز القائم وتبرير السكوت عنه ، دون إثبات مفهوم الشموليّة بالمعنى المدرسي الذي نبحث عنه هنا . بل نحن ندّعي بأنّ المسلمين منذ الصدر الأوّل قد صاغوا الكثير من آليّات عمل السلطة والتنظيم المدني والإداري وفق ما تعرّفوه من الفرس واليهود والنصارى وغيرهم ، ولعلّ هذا كان مركوزاً في ذهنهم من أنّ الشريعة فوّضت لهم سنّ القوانين الإداريّة لتنظيم الأمور . وأختم بفكرة لا أريد أن أخوض فيها الآن ، بل أتركها للتأمّل ، وهي تتصل بأصالة الدينيّة في منطوقات النبيّ و . . وهي قضيّة إشكاليّة ، وقد تعرّضت للعديد من زواياها في مختلف كُتُبي حول السنّة والحديث ، لكن ما أريد أن اضيء عليه هنا هو أنّ هذه النصوص هل تثبت دينيّة الشيء الذي تتحدّث عن شموليّته واستجابته لكلّ الحاجات ، أو أنّها ساكتة عن هذا الموضوع ؟ وسبب طرح هذا السؤال هو أنّ النصوص تارةً تعبّر بجمل يفهم منها دينيّة الشيء المتصف بالشمول ، وأخرى تحتمل الأمرين معاً : فمن النوع الأول من النصوص والسياقات : هلك القائل بالقياس ودين الله لا يصاب بالعقول فما جاءكم به الرسول شامل .