حيدر حب الله

118

شمول الشريعة

والفرق بين التجربة الفقهية اللاحقة على عصر النصّ والتجربة المتشرّعية في عصر النصّ ، أنّ التراث المدوّن وآليّات الاجتهاد والنصوص الصريحة واصلة إلينا في الفترة اللاحقة ، بحيث نستطيع تكوين صورة عن توجّهاتهم من خلالها ، الأمر الذي يكاد يكون شبه معدوم في فترة عصر النصّ ، بحيث لا يمكّننا من أخذ انطباع عام عن مجمل المتشرّعة في ارتكازهم ، وليس عن شخصٍ هنا أو آخر هناك . ثالثاً : إنّ افتراض وجود إجماع إسلاميّ على هذه القضيّة يبدو صعباً ، فنظريّة التصويب بصيغتها العليا ، تبدو وكأنّها تؤمن بالفراغ وتريد سدّه عبر ممارسة الاجتهاد ، ومن هنا يمكننا القول بأنّ تيار التصويب في الأمّة يمكن أن يكون معبّراً عن خرق حقيقي للإجماع الإسلامي على فكرة الشموليّة « 1 » . بيد أنّ هذه الملاحظة تحتاج لشيء من التدقيق ؛ لأنّ نظريّة التصويب هي أيضاً يمكن تصنيفها - بمعنى معيّن - لصالح فكرة الشمول ؛ وذلك أنّ القائل بالتصويب بحدّه الأعلى - فضلًا عن الحدّ الأدنى - وإن كان يرى خلوّ الواقعة من الحكم قبل نظر المجتهد ، لكنّه سرعان ما يُلصق نظر المجتهد بالشرع نفسه ، فيُدخل رؤية الفقيه للقضيّة ضمن الأحكام الواقعيّة ، وهذا يعني - سواء قبلنا بفكرة التصويب أم رفضناها في نفسها - أنّ القائل بالتصويب ما يزال مسكوناً بهاجس كسب شرعيّة الموقف القانوني من نسبته بذاته وعينه - لا نسبة الترخيص في ممارسة العقل للتقنين - للشريعة الإلهيّة ، فرغم عدم وجود حكم شرعي إلهي مسبق ، لكنّه بعد نظر المجتهد يصبح موجوداً ، وكأنّ الثقافة الاجتهاديّة عند المسلمين كانت مبنيّةً على فكرة أنّ شرعيّة موقفٍ قانوني تظلّ مرهونة بأن يكون هذا الموقف نفسه في مضمونه وصيغته منسوباً لله تعالى ، سواء كانت هذه النسبة قبل إبداء المجتهد لرأيه أم بعد ذلك ، فلا نستطيع التأكّد من أنّ نظريّة التصويب تخرق الإجماع في روحه . نعم ، هي تخرق الإجماع قبل رأي الفقيه ، وهي بهذا المعنى تمثل نقضاً لشموليّة الشريعة ، إن لم نقل بأنّ علم الله المسبق بما ستؤول إليه أنظار المجتهدين يعني أنّ لديه أحكاماً واقعيّة في الأمر

--> ( 1 ) لاحظ - على سبيل المثال - كيف أنّ السيد محمّد باقر الصدر ، في سياق نقده للتصويب في كتاب ( المعالم الجديدة للأصول : 39 ) ، اعتبر أنّ التصويب قد وقع في سياق اتهام الشريعة بالنقص ، وهي النتيجة التي وصلها الفكر السنّي - من وجهة نظره - من خلال مقارباته الاجتهاديّة .