حيدر حب الله
116
شمول الشريعة
حول أيّ موضوع أن تكون الشريعة تتسم بالسعة حتى لو تتسم بالشموليّة التامّة ، ومن ثمّ فالمكلّف يحتمل أنّ للشريعة موقفاً من هذه القضيّة أو تلك فيبادر للسؤال عنه ، وليس معنى أنّهم يرجعون للنص في كلّ واقعة واجهوها أو مستجدّ اصطدموا به أنّهم يعتقدون بوجود حكمٍ فيه ، بل هذه العملية يمكن تفسيرها وفقاً لافتراضهم الاحتمالي وجود موقف للشريعة هنا ، ومن ثم لا نستطيع التأكّد من أنّ المتشرّعة في عصر النبيّ ، بل في عصر الصحابة والأئمّة من أهل البيت ، كانوا متفقين على فكرةٍ من هذا النوع ( الشموليّة ) . ولو افترضنا أنّ توجيههم الأسئلة الكثيرة مع أخذهم إجاباتٍ لها ، من الطبيعي أن يكون قد ولّد عندهم بمرور الزمن فكرة أنّ الشريعة تجيب عن كلّ شيء ، ومن ثمّ يتبلور هذا الارتكاز . . « 1 » فإنّ هذه الفرضيّة لو أثبتناها تاريخيّاً - ومن الصعب إثباتها لدى مثل أهل السنّة الذين يحصرون عصر النصّ بفترة حياة النبيّ الأكرم - غاية ما تفيد أنّ هذا الارتكاز الذي حصل هو نتيجة قراءة اجتهاديّة عفويّة منهم ، وليست نتيجة تلقّيهم توجيهاً نبويّاً في ذلك بالضرورة ، ومن ثمّ فلو فرضنا أنّنا خطّأناهم في هذا الاستنتاج واختلفنا معهم فيه ، بعد ظهور مستجدات لا إجابات لها حالياً - كما يقول النافي لشموليّة الشريعة - فلا قيمة لما استنتجوه بشكل عفوي ؛ لأنّ ما كشفته القرون اللاحقة والعصر الحديث يصلح إرباكاً لهذا الاستنتاج العفوي البسيط الذي تولّد لديهم فيما مضى ، هذا لو لم نقل بأنّ المرتكز في أذهانهم شموليّة الشريعة لحياتهم وزمانهم ، وأنّهم لم يخطر في ذهنهم شموليّة الشريعة على امتداد الخطّ الزماني لو تغيّرت الحياة واستجدّت الوقائع ، علماً أنّ هذا الاستنتاج لم يعد سيرةً متشرّعية بالمعنى المصطلح لهذه الكلمة في مباحث أصول الفقه . بل يمكن هنا طرح احتمالٍ إضافيّ ، وهو أنّ رجوعهم للنبيّ أو الإمام أو الصحابيّ الخليفة ربما كان رجوعاً لعقل هؤلاء في سنّ بعض القوانين المتصلة بالوقائع الحادثة ، وفقاً لروح الشريعة ، وليس نقلًا لقانون مجعول في الشريعة نفسها ، وهذا أمر لا يبعد وقوعه نظراً للموقعيّة الروحيّة والسلطويّة التي يتمتع بها هؤلاء بين المسلمين أو بين أنصارهم على الأقلّ . بل إنّ فرضيّات وجود أحكام حكوميّة آنية مؤقّتة مرجعها لعنصر الولاية في النبيّ أو
--> ( 1 ) أورد هذه المداخلة علينا في مجلس الدرس بعضُ الأعزّة من طلابنا ، وهو صاحب الفضيلة الشيخ مهدي وفائي حفظه الله تعالى .