حيدر حب الله
113
شمول الشريعة
من عند الله تعالى . كما أنّ النصوص الدينية التي تذمّ تبديل شرع الله أو تحريف كلامه أو تغيير مواضعه ، مهما فسّرناها ، لا علاقة لها بموضوعة بحثنا هنا ؛ لأنّها تفرض شريعةً وتنهى عن التعامل معها بهذه الطريقة أو تلك ، فيما بحثُنا هو في نفس وجود هذه الشريعة في هذه الدائرة أو تلك ، لا نهج التعامل معها بعد فرض وجودها ، وقد قلنا بأنّنا لسنا بصدد إثبات أصل وجود الشريعة ، بل بصدد تحديد مساحاتها والنطاقات التي تشتغل عليها بعد فرض وجودها . كما أنّ النصوص التي تُلزم بردّ كلّ شيء متنازع عليه إلى الله والرسول ، لا تؤثر هنا كما هو واضح ؛ لأنّ الإرجاع ما دام قد دخل فيه الرسول ، فإنّ الرسول بوصفه - أيضاًزعيم الجماعة دخولُه كافٍ في إلغاء فكرة شموليّة الشريعة ؛ حيث ظهر وسيظهر بالتفصيل أنّ الرسول له ولاية التشريع الولائي والتي هي مغايرة لتبليغ الدين ؛ فالإرجاع إليه أعمّ من الإرجاع للدين وللعقل الإنساني الصالح المتجلّي فيه ، والذي يمكنه سنّ قوانين في هدي الدين وليست بالضرورة من الدين ، فكلّ القوانين ترجع إلى الله وإلى الإنسان الذي يتولّى شأن الجماعة ، فيسنّ لها القوانين وفقاً لنظريّة عدم الشموليّة ، كما سيأتي في الفصل الأخير من هذا الكتاب بحول الله تعالى ، فلا تكون مثل هذه النصوص معارضة لمقولة النافين للشموليّة ، فلاحظ جيّداً . نتيجة البحث في المبرّرات القرآنيّة لنظرية الشمول القانوني وبهذا يظهر أنّه لم يتوفّر لنا إلى الآن أيّ دليل عقلي أو عقلاني أو قرآني حاسم ، يكشف عن مبدأ شموليّة الشريعة الإسلاميّة لكلّ وقائع الحياة بالمعنى المدرسي لهذا المفهوم ، وإن أسعفتنا بعض النصوص القرآنيّة في تكريس حصريّة الحكم الإلهي بالمعنى الذي أوضحناه في طيّات الكلام السابق ، وهو معنى لا يتمرّد على فكرة وجود مرجعيّة قانونيّة مقبولة للشارع سبحانه ، تقوم بنفسها بسنّ القوانين بما ينسجم مع الضوابط الدينيّة . وهذا كلّه يفرض علينا الانطلاق نحو سائر الأدلّة - الإجماع و . . والحديث - للنظر في مديات إفادتها مفهوماً للشموليّة من هذا النوع . ثالثاً : مرجعيّة الإجماع والتوارث الديني في إثبات شموليّة الشريعة هذا هو النوع الثالث من المستندات التي يمكن طرحها في سياق إثبات نظريّة الشموليّة