حيدر حب الله

104

شمول الشريعة

الأدبيات العرفيّة والعربية دون إحساس بالمجاز ( إلا إذا كان المنسبق نتيجة طبيعة الموضوع أو السياق هو العموم الحقيقي الأمر الذي يحيج إلى القرينة للخروج منه بوصفه أحد البدائل الاستعماليّة في اللغة ) ، بل هذا ما أقرّه - بشكلٍ ما - الأصوليّون في بحثهم عن أنّ التخصيص لا يعني مجازيّة استخدام العام . . إنّ كثرة الاستعمال دون إحساس بالمجاز يجعلنا لا نفهم من أدوات العموم الكليّة بالضرورة ، أو فقل : يجعلنا نسوقها بسرعة نحو غير العموم الشمولي بمجرّد مواجهة احتماليّة معقولة ، وحيث إنّنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم ليست فيه تفاصيل قانونيّة لكلّ شيء على الإطلاق ، حتى أنّ كثيراً منهم أقرّ بأنّ تفاصيل الأحكام جاءت في السنّة لا في الكتاب ، ومشهورهم على قبول السنّة التأسيسيّة للنبيّ ! ولا معنى لها مع شموليّة الكتاب إلا بضربٍ خاصّ من التفسير ألمحنا له في كتاب حجيّة السنّة في بحث السنّة التأسيسيّة . . بل ورد هذا في بعض الروايات الآتية - خبر حمّاد المصحّح سنداً عند المشهور - والتي يستوحى منها أن ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنّة ، بما يشير - بحسب تعبير ( أو ) - إلى أنّ بعض ما في الشريعة ليس في الكتاب ، بل في السنّة . . لهذا كلّه كان من حقّنا أن نعيد فهم الكليّة هنا بشكلٍ يؤكّد عنصر الكثرة أو يؤكّد عنصر أهميّة الخطوط العامّة التي رسمها القرآن وعدم أهميّة التفاصيل بمستوى أهميّتها ، الأمر الذي يجعل الشموليّة القرآنيّة شموليّةَ نماذج وخطوط فكريّة ( paradigm ) ، ورؤى أيديولوجيّة ، ومبادئ تشريعيّة ، وقيم أخلاقيّة ، وأطرٍ قانونيّة ، ومسارات حياتيّة ، مع بعضٍ معتدٍّ به من التفاصيل الجزئيّة . بل حتى لو قلنا بإفادة ( كلّ ) للعموم ، فإنّ طبيعة النصّ القرآني البادي لنا تجعله بمثابة القرينة المتصلة اللبيّة التي تدفع القارئ لفهم الكثرة والغلبة ونحو ذلك من الآية أو على الأقلّ لعدم الاطمئنان بانعقاد الشموليّة التامّة في دلالتها ؛ لأنّنا بقراءة القرآن ندرك أنّه لم يتعرّض لكلّ تفاصيل القانون بالمعنى الذي يريده المستدلّ هنا ، فيكون هذا الانطباع الأوّلي كافياً في إرباك فهمنا للعموم من الآية ، ويشكّل قرينة متصلة لبيّة - أو هو موجود محتمل القرينيّة - على الاقتصار على الأكثريّة والغلبة ونحو ذلك ، ولا تكون الآية نافيةً لهذا الانطباع ؛ لأنّ المفروض أنّه لا يوجد دليل غيرها على هذه الشموليّة ، والمفروض - من جهة ثانية - أنّنا ما زلنا نبحث في أصل دلالتها على ذلك ، فلاحظ جيّداً وتأمّل في الموضوع مليّاً . هذا ، وسيأتي في البحث الحديثي أنّ القرآن نفسه يصرّح بعدم شموليّة ذاته ، فانتظر ، وراجع