حيدر حب الله

54

دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

1 - 1 - بدء ظاهرة الكذب على النبي صلى الله عليه واله وردود الأفعال المترقّبة يذهب بعض الباحثين - وهو الرأي الأرجح كما بيّناه في محلّه - إلى أنّ الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله بدأ في حياته ؛ حيث يفترض أنّ هناك مجموعة من المنافقين وضعوا أحاديث على لسانه ، وصاروا يقوّلونه ما لم يقل ، حتى صرّح قائلًا : « إنّ كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحد ، فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار » « 1 » ، فبعد هذا الإعلان الصريح من النبي صلى الله عليه واله والذي به صُنِّفَ رواة الحديث إلى صنفين ؛ صادقين يروون كلامه كما سمعوه لا يزيدون فيه ولا يُنقصون منه شيئاً ، وكاذبين لا يصدقون في نقلهم أو يضعون عليه الأحاديث . شَكّلَ هذا التصنيف في أذهان المسلمين آنذاك قوائم بالرواة الصادقين المأمونين على حديث النبي صلى الله عليه واله ، وقوائم أخرى بالرواة الكذَّابين والوضّاعين للحديث ؛ وبهذا السبب بدأت أولى الإرهاصات لتَكَوّن الوعي الرجالي لدى المسلمين الأوائل بعيد وفاة الرسول ، ومن الطبيعي أن يبدأ التساؤل - ولو بشكل بسيط - عن حال الراوي الناقل للحديث النبوي ، هل هو من أولئك الذين توعّدهم رسول الله صلى الله عليه واله بمقاعد في نار جهنّم فلا نأخذ بما ينقله لنا أو لا ؟ وبهذا انتقل المسلمون إلى عصر جديد في التعامل مع الحديث ورواته ، بعد أن كانوا قبل هذا يعتمدون مبدأ الثقة المطلقة في أخذ الأحاديث من بعضهم بعضاً ؛ فرُبّ مسلم سمع حديثاً من رسول الله صلى الله عليه واله في مجلسٍ فينقله لمسلم آخر ، فيُقبل منه ثقةً به . إذن ، أحدَثَتْ ظاهرة الكذب في الأحاديث بعيد العصر النبوي دافعاً لتكوّن

--> ( 1 ) محمد بن إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري 2 : 81 ؛ ومحمد بن يعقوب الكليني ، أصول الكافي 1 : 83 ، مع اختلاف يسير في التعبير .