حيدر حب الله
178
دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية
يمكن للقارئ ملاحظتها بقراءة كتاب السرائر « 1 » . لقد فتحت جهود ابن إدريس البابَ على مصراعيه لمزيد من التركيز على أمر الأسانيد ورجال الرواية ، وليس فقط أخذها مجرّد عنصر من العناصر ، فعدد الروايات التي فيها رجال من هذه الفرق ليس واحداً أو اثنين وإنّما هو رقمٌ هائل جداً ، إذا أردنا حساب تداعيات نظرية ابن إدريس فيه فستكون غير عادية . من هنا ، ذكر جماعةٌ من الباحثين في تاريخ الفقه والفقهاء ، أنّ خطوات ابن إدريس شكّلت منعطفاً سرعان ما وجدنا تبلوره النظري في مدرسةٍ متكاملة عند العلامة الحلّي . كانت تحفظات ابن إدريس وتشدّده في أمر الأسانيد - رغم عدم قوله بحجيّة خبر الواحد - مفتاحاً لمزيد من الاهتمام برجال السند ، وهو أمر إذا تقارن مع ضعف حضور القرائن القطعية الموجبة للوثوق بصدور الأخبار ، إمّا ضعفاً وجودياً أو ضعفاً معرفيّاً ، سوف يفضي - عندما ندرك أنّ العلامة الحلّي الرائد الجديد في القرن الثامن لإحياء نظرية السند والنقد السندي - إلى مزيد من التركيز على الأسانيد ورجال الحديث ، وهذا معناه أنّنا بتنا نشهد إرهاصات تحوّل جديد في طريقة التعامل مع الروايات والأسانيد ، فتراجعت آليات نقد المتن لصالح نقد السند ، وهذا ما يوفر البيئة الحاضنة لنموّ علمٍ مثل علم الرجال . صحيحٌ أنّ التعامل الجديد - بمساحته - مع الروايات ، والذي برز مع ابن إدريس شكّل المحرّك لعجلة هذه المرحلة ؛ إلا أنّها بداية بسيطة ومتواضعة وتطبيقية ، فلم يصلنا عنه أيّ مصنّف في الجرح والتعديل . ويمكن القول بأنّ إسهام ابن إدريس كان بمثابة حلقة الوصل بين إنجازات المرحلة السابقة وهذه
--> ( 1 ) لمزيد من التفصيل حول نظرية ابن إدريس الحلّي في أخبار الآحاد ، انظر : حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 167 وما بعدها .