حيدر حب الله

86

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

للكلمة ، إلا أنّ عددها بسيط ، لا يصحّ معه افتراض القرآن الكريم مرجعيّة قانونية أو الحديث عن فقه قرآني أو قانون قرآني أو نظام حقوقي قرآني أو غير ذلك من التعابير . نعم هناك إرشادات وتوجيهات وقيم أخلاقية وتربوية وروحية ، مع عدد قليل جداً من الأحكام المبعثرة ، لكنّ هذا ليس نظاماً قانونياً ، وإنما الذي حوّله إلى نظام قانوني هم الفقهاء أنفسهم بصياغتهم الفقه صياغةً قانونية وتكميل الفراغات الكثيرة فيه بالأدلة العقلية والعقلائية والإجماعات والشهرات والاحتياطات وغير ذلك ، لا أنّ هذا النظام الذي نجده في كتب الفقه والفتاوى والرسائل العملية موجودٌ في القرآن الكريم . إنّ معنى أن يكون الكتاب كتاب قانونٍ يضع للبشر حقوقاً وواجبات لتنظيم حياتهم ، هو أن يكون مستوعباً للوقائع - ولو أغلبها - من جهة وأن يكون واضحاً في دلالاته من جهة ثانية ، وأن يصاغ على نسقٍ قانوني منسجم ، ومن دون ذلك فهذا ليس كتاب قانون . وهذه الإشكالية سرّاها كثيرون إلى السنّة الشريفة أيضاً ؛ نظراً لبعثرة نصوصها التي قام العلماء بجمعها وتنظيمها ، ولهذا يقول هؤلاء بأنّ الإسلام ليس فيه نظم قانونية ، وهذا على العكس تماماً من مشروع فقه النظريّة أو فقه النظم الذي تحمّس له فقهاء الحركة الإسلامية والنهضة الدينية خلال القرن العشرين من السنّة والشيعة على السواء . وهذا الموضوع هو في الحقيقة موضوع إشكاليّ كبير اليوم بين الإسلاميّين والعلمانيين . ولتقريب الفكرة بعض الشيء أيضاً إلى أذهان المتشرّعة الإسلاميّين ، نأخذ المسيحية والإنجيل مثالًا ، فلو نظرنا في موقف علماء المسلمين تجاه المسيحية القائمة اليوم ، لوجدنا صورةً نمطية تحكي عن أنّه ليس في المسيحية نظامٌ فقهي أو شريعة ،