حيدر حب الله
483
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وذلك أنّ هذا موجب لصرف كلمة الربا عن معناها المنصرف في لغة العرب عندما تطرح في القضايا المالية . وقفة مع فكرة التمييز بين شرط القربة والإجزاء من دونها ويمكن هنا أن ننتصر - على تقدير إثبات العباديّة في الزكاة - لوجهة نظر السيد الصدر وأمثاله ، بأنّه لو كانت الزكاة على تقدير عدم قصد القربة باطلةً ، وكان إخراجها مرّةً ثانية لازماً ، لطُرح هذا الأمر في النصوص ولبيّنه المعصوم ؛ فإنّ الزكاة كانت تجبى جبياً من قبل السلطة منذ العهد النبويّ ، وكان هذا الجبي قهريّاً ، بمعنى أنّ العمّال كانوا يجبون الزكاة ، سواء كان المزكّي راضياً أم غير راضٍ ، تماماً كحال جباة الضرائب اليوم ، ولهذا جاء - على سبيل المثال - في قصّة نزول آية النبأ أنّ الجابي ظنّ أنّ بني المصطلق لا يريدون دفع الزكاة ، بل يريدون قتله ، مما دفع الرسول للاستنفار . . وعندما نتأمّل بطريقة عقلانيّة ظاهرةً ضريبيّة تجبى من قبل الدولة ، فمن الطبيعيّ أن نترقّب حالاتٍ كثيرةٍ قد لا تُقصد القربة إلى الله فيها بقدر ما يُقصد الانصياع لسلطة الدولة انصياعاً عامّاً ، وفي حالٍ من هذا النوع مما يبتلى به كلّ عام في جميع بلاد المسلمين ، لو كان عدم تحقّق قصد القربة موجباً لضرورة إعادة إخراج الزكاة ، لبيّنت ذلك النصوص حتى لو لم يسأل السائلون ؛ لأنّها قضية نوعيّة ، مما يُفهم منه أنّ قصد القربة لو كان واجباً في الزكاة ، لكنّ فقدانه لا يوجب الإعادة ؛ لأنّ العبرة والنكتة في الإخراج هي وجود حقّ للفقير في مالك ، والمهم هو وصول هذا الحقّ لمستحقّه ، فلو وصل لكن مع الإخلال بقيد من قيود كيفيّة الإيصال فلا معنى لإيصاله مرةً أخرى . بل وما هو الموجب لأخذ الدولة هذا المال بوصفه زكاةً مع عدم إحراز ( قيد القربة من الدافع نفسه ) .