حيدر حب الله

462

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

1 - 3 - نصوص أصالة العباديّة في الأفعال ، وقفة وملاحظة الدليل الثالث : ما قد يقال « 1 » من أنّ مقتضى الدليل العام هو أنّ الفعل عباديّ إلا ما خرج بالدليل ، وهذا غير ما تقدّم في الدليل الثاني من أصالة التعبّدية عند الشك . ومرجع الدليل العام إلى مثل قوله تعالى : ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ . . ) ( البينة : 5 ) . حيث يفيد هذا النصّ القرآني الحصر بأنّ ما أمرنا به ليس سوى العبادة عن إخلاص ، فيكون هذا الحصر بمثابة القانون الذي لا يُخرج عنه إلا بدليل ، وحيث إنّ هذا النص واضح في العبادية والإخلاص ، فيكون الأصل في الأعمال العباديّة ، ومنها الزكاة والخمس والكفارات وغير ذلك . ومن نماذج النصوص المقعّدة للأصل هنا الخبرُ المعروف المتواتر بحسب تعبيرهم : « إنّما الأعمال بالنيات » « 2 » ، فإنّه يفيد الحصر للأعمال بأن تكون بالنيّة ، فلو لم تقع النية فلا عمل ، والتوصّليّات مما يقع بلا حاجة إلى النية ، تماماً كطهارة الثوب المتنجّس ، فإنّ غسله بالطريقة المقرّرة شرعاً يوجب طهارته حتى لو لم يقصد الغاسل الطهارة أساساً ، وهذا يعني أنّ الأصل في العمل أن يكون عن نية ، أي ليس توصّلياً . إلا أنّ الذي يبدو عدم صحّة الاستدلال بمثل هذه النصوص لتأسيس قاعدة العبادية في الأعمال ، فإنّها أجنبية تماماً عن ذلك ، ولكي نطبّق إشكالنا على هذين النصّين المشار إليها يمكن القول بأنّ الآية الكريمة وقعت في سياق انتقاد أهل الكتاب ، ففي الآية السابقة عليها قال تعالى : ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ

--> ( 1 ) انظر : محمد تقي الآملي ، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 10 : 358 . ( 2 ) تهذيب الأحكام 4 : 186 ؛ وصحيح البخاري 1 : 2 .