حيدر حب الله
36
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
المشكلة الأولى : إنّ الفقه والشريعة معنيّان بعمل الجوارح ، فهو يحدّد وظيفةً عمليةً للمكلّف يمكنه القيام معها بشيء أو ترك شيء ما ، أمّا الآيات الاعتقادية فلا معنى للفعل الجوارحي والترك فيها ، فلا تندرج ضمن آيات الأحكام . وهذه الصيغة للمشكلة غير صحيحة ؛ لأنّ الفقه لا ينحصر مجاله بأعمال الجوارح ، بل يشمل بعض أعمال القلوب ، فالإخلاص في العمل وعدم الرياء ، وترك الحسد بوصفه حالةً قلبية ، وترك الحقد والضغينة على المؤمن ، والحبّ في الله والبغض في الله ، وحسن الظنّ بالله ، والظنّ بالإجابة عند الدعاء ، والخوف والخشية القلبيّة من الله ، وحبّ الله وعشقه بوصفهما حالة قلبية ، وحضور القلب في الصلاة ، وغيرها العشرات من الأحكام الإلزاميّة وغير الإلزاميّة التي ترجع إلى فعل القلب والنفس . ولتُراجَع أحكام النية في العبادات وغيرها ؛ ليُتأكّد من كونها دالةً أيضاً على ما ندّعي . وهذه التي عددناها وإن لم تدخل جميعاً في مجال الإلزام بالفعل أو الترك ، لكنّها لا أقلّ مما يُحكم باستحبابه أو كراهته ، فالحسد القلبي المحض قد لا يحكمون بحرمته ، لكنّك قد تجد قولًا بمرجوحيّته وكراهته . فليس صحيحاً أنّ الفقه معنيٌ بعمل الجوارح فقط ، بل له جانب قلبي أيضاً . المشكلة الثانية : إنّ الفقه يطال الجوارح والجوانح ، لكنّ القضايا الاعتقادية لها خصوصيّتها ؛ وذلك أنّ الاعتقاد أمرٌ قهري ، فإذا تمّت المقدمات العلميّة نتج اليقين بالنتيجة قهراً ، فالذي لم تحصل لديه قناعة بالمقدّمات مادةً أو هيئة ، فمن التكليف بغير المقدور إلزامه بالاعتقاد بالنتيجة ، إذ لا معنى لذلك . وهذا يعني أنّ هذه الآيات التحريميّة أو الزجرية الواردة في القضايا العقديّة إنما تملك صورةً أمرية أو زجرية ، ولكنّها في واقع أمرها بيانٌ للعقيدة الحقّة فقط ، فبدل أن نقول : الشرك باطل وفاسد ،